باتجاه حاوية القمامة/ اللاذقية - منذر مصري

منذر مصري يكتب: معارضة مرآتها النظام

1- البوصلة الضائعة

أذكر تعبيراً طريفاً ورد في الدفاع عن صاحب مقولة (ليتها لم تكن) الذي تطوّعت أن أكونه، هو: "الرجل، يا جماعة، لم يضيّع البوصلة!". وقتها جاءني السؤال:"ترى أين بوصلة الحالة السورية؟ وبعبارة أدق، ماهي بوصلة الحالة السورية؟".

سؤال لم أحتج للإجابة عليه، سوى تذكر تعبير آخر، هو أن المعارضة السورية قائمة بدلالة النظام. وقد يبدو ظاهرياً أن لا غضاضة في عبارة كهذه، لكون أي معارضة تقوم ضد النظام، إلّا أن مضمونها السلبي يأتي من أن هذه المعارضة لا تعمل بدلالة الشعب، ومصلحة الشعب.

أي، أن بوصلة المعارضة السياسية في سوريا كانت ومازالت، ما يضرّ النظام، لا ما ينفع الشعب السوري. ولا يجب أن يخفى علينا التعارض داخل هذا المفهوم. فربما هناك ما ينفع النظام والسوريين معاً، وبالتأكيد هناك ما يضرهما معاً. أي، ليس محتماً، أن ما يضرّ النظام ينفع الشعب، ولا العكس. فما بالك إذا بوصلة المعارضة صارت تشير إلى ما يضرّ النظام قليلاً ويضرّ الشعب السوري كثيراً، وقتها نكون جميعنا مصابين بالعمى التام.

وعلى ذكر الموالين، فالبوصلة تلك، قد أضاعت حسها بالاتجاه، لدرجة أن مؤشرها ما عاد يشير إلى ما يضر النظام أو يزعجه هو بالذات، بل ما يزعج مواليه!؟. قالت لي صديقة: "ماتقوله صحيح يا منذر، ولكني أكره أن يشمّت بنا الموالون".

2- ليست رمانة، بل قلوب ملآنة

مرة، نشرت مقالاً في صحيفة السفير البيروتية بعنوان (تم القضاء على المعارضة السورية.. انبسطوا)، وصفتها حينذاك: "المعارضة التصالحية، الإصلاحية (عفا الله عمّا مضى)، العلنية، المكشوفة، الواقعية، المعتدلة، النابذة لكل دعوات التطرف، العزلاء، المسالمة الرافضة لكل أشكال العنف، المثالية لدرجة الطهرانية". وذلك بعد الحكم بالسجن سنتين ونصف على اثني عشر عضواً في المجلس الوطني لإعلان دمشق للتغيير الوطني والديمقراطي، منهم السيدة فداء حوراني ابنة الزعيم الوطني أكرم الحوراني، وذلك بتهمة إضعاف الشعور القومي ونقل أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة!. كان هذا عام 2008، سبقه تاريخ عريق من العسف والجور والاضطهاد، ابتدأ بعد أحداث عقد الثمانينات المشؤوم حتى نهاية القرن المنصرم، كان فيه النظام الطرف المسيطر الذي لا يقبل نأمة معارضة، أو تلميحة نقد، أو حتى دعوة إصلاح، من أي نوع، ومن أي مستوى، ومن أي طرف.

3- رفاق الطريق

خلال اعتقالي عام 1987 نصحني المحقق بالاعتراف بانتمائي لحزب العمل الشيوعي، فنحن، قال، نحمل المعتقدات الأيديولوجية ذاتها، وإن لا خلافاً سياسياً كبيراً بيننا، كما، تحديداً، بين النظام والأخوان المسلمين، الذين يمكن اعتبارهم أعداءنا المشتركين. ثم خرجت بعد أربعة أيام من التحقيقات والمواجهات، ثبت لهم فيها أني لم أكن عضواً ولا حتى صديقاً لحزب العمل، لكن ما عرفته بعد ذلك أنهم أبقوا بضيافتهم كثيرين من أعضاء حزب العمل، وأحزاباً يسارية معارضة أخرى، مدداً زمنية تتراوح بين الأربعة أعوام، وهي بعرف السوريين أقل من أن تذكر، والثمانية عشر عاماً.

4- الانتقام ليس سوى ردّ للجميل

لا أظن فريقاً من المعارضة السياسية السورية، يستطيع الادعاء، بأن مابدأته (درعا) في 15/3/2011، كان بتدبير، أو حتى بتهيئة، منه. فبعد ربيع دمشق الخاطف حل شتاء قاحل، يابس، جاف، أوصل المعارضة لقناعة، أنه لا يمكن أن يجري أي تغيير في سوريا إلّا من خلال النظام، وبواسطة النظام. وهذا كلام نقله لي صديق كان يرأس أحد أهم أحزاب المعارضة. لكنّ ما لم يكن يتوقعونه، وما لم يكن يحلمون به، قد حصل!. فكان أن وجدوا أنفسهم ممثلين له، وناطقين إعلاميين باسمه، وليس قادته على الإطلاق، ذلك لأن القيادة كانت تتطلب تواجداً على الأرض، وانخراطاً في الحراك، قصروا عنه، وبالتأكيد أنا لا أعمم، ولا أتكلم عن أفراد، لا بل أنهم سرعان ما وجدوا أنه من الأفضل أن يبتعدوا ما أمكنهم، وذلك لأسباب معروف جلّها لا كلّها. فخرجوا من البلد خوفاً من أن تصل إليهم قبضة النظام وتشد على أعناقهم، لترمي بهم للمرة الثانية والثالثة في فنادقه الوطنية. الأمر الذي أضاف على مظالمه لهم، ظلم قلعهم من بيوتهم وتهجيرهم ونفيهم. وكأن (الثورة) السورية، بعرفهم، لم تقم إلاّ لتقدم لهم فرصة الانتقام على طبق ساخن.

5- خاتمة غير موفقة

في النصف الثاني من عقد الستينيات، كان القاص اللاذقاني (ع.ا.ر) يردد: "خير لبسنادا شر لنا، وشر لبسنادا خير لنا". رحمك الله يا (أبو علي). كنت تقولها مازحاً، إلّا أننا أخذناها على محمل الجد، وشاركنا بها جميعنا في تمزيق وطن..