ANP - متظاهرون مؤيديون لخليفة حفتر في بنغازي.

علي العسبلي يكتب: صناديق الاقتراع أم خيام التفويض؟

الانتخابات وصناديق الاقتراع إحدى مكاسب ومحاسن ثورة فبراير القليلة، أو بصراحة المكسب الوحيد الذي أستطيع تذكره على الأقل أثناء كتابتي لهذا المقال.

وبالرغم من عدم مشاركتي في أية عملية انتخابية لأسباب موضوعية، فلست أرى خياراً إلا صناديق الاقتراع التي ستساعدنا في الابتعاد عن صناديق الذخيرة، إلا إذا أردنا  العودة الى نظام "اللي ينوض بدري يحكم" أو "طق العود" أو المبايعة على السمع والطاعة على غرار داعش! وكم أتأسف ويعصرني الألم عندما أجد من يردد أن الديمقراطية والانتخابات لا تصلح بنا، وأننا جربناها أكثر من مرة ولم ترقى لمستوى آمالنا وتطلعاتنا، وأننا "نبّو عصا".

أن تُقاطع الانتخابات وتحتج بشكل سلمي هو شيء منطقي ومقبول، لكن أن تعارض مبدأ الانتخاب من الأساس، وتستخدم العنف والتخريب والتكسير لمراكز الانتخاب، وتُخوّن كل من يطالب بها أو يشارك فيها، وتصفه بأنه إخواني و "داعشي" فهذا قاع الجهل، والدرك الأسفل من التخلف.

التخلف الذي تجسد في الاعتداء وتكسير المراكز الانتخابية في بنغازي وسلوق ومناطق أخرى من قبل عشرات المسلحين الموالين لحفتر والمؤيدين لما يسمى (حملة التفويض)، وهم يرددون (الشعب يريد حفتر الرئيس)، إذا الشعب فعلا يريد حفتر، اتركوه ليذهب لمراكز الانتخابات ويصوت له، بدلا من تكسيرها وتخريبها!.

وعلى ذكر ما يطلقون عليه حملة التفويض الشعبي لحفتر ليتولى كما زعموا زمام الأمور كما يقولون لأربع سنوات (فقط)، ونصبوا الخيام في الساحات وأمام المساجد والمستشفيات، وبالقوة على البوابات الأمنية، واثناء مراسم التأبين والأفراح، وحتى في الجمعيات الاستهلاكية! حتى قالوا إنهم جمعوا مليون وستمائة ألف توقيع في برقة وحدها (!!!) علماً أن عدد المسجلين في انتخابات مجلس النواب بحسب مفوضية الانتخابات، بلغ مليون ونصف ناخب في عموم ليبيا.

تعددت الحجج التي يرددها أنصار حفتر ليبرروا وقوفهم ضد العملية الانتخابية وعرقلتهم للمسار الديمقراطي، وأغلبهم من الطراز "حافظ حفظ" ويكرر بدون فهم مسبق، فمثلاً من الجُمل التي قرأتها كثيراً (لا توجد انتخابات بلا دستور)، على ما يبدو أن من كتبها نسي من كان وراء اقتحام مقر هيئة صياغة الدستور في البيضاء، وعرقلة عملها وتهديد أعضائها بالقتل على القنوات مباشرة إذا مرروا المسودة الأخيرة، ومن وقف ضد رجوع دستور 1951 واشترط أن يكون الملك بدلاً عن ولي العهد.

سبق وقلنا إن أكثر من يخاف الانتخابات هم المتطرفون دينياً و الانقلابيون؛ لإدراكهم أن المواطن البسيط لا يريدهم وأن صناديق الاقتراع ستكون بمثابة توابيت لهم ولأفكارهم المتطرفة والمتخلفة، فكلاهما يتشابهان في التعصب واستخدام العنف والتخريب والتدمير، ولا يتورعان عن خطف وقتل والتنكيل بكل من يختلف معهما، ولا يتقبلان الاختلاف في الرأي ولا يؤمنان بالتعايش مع الآخر.

يجب أن نعي أن الانتخابات إذا جرت كما يجب، فستكتب شهادة وفاة كل من تعرى وانكشف أمام الشعب، من أمراء الحروب وسماسرة الدين ومنافقي السياسة والانقلابيين المختبئين وراء البزة العسكرية، الذين أوصلوا البلاد إلى هذا الوضع المأساوي.