هنا صوتك - شارة تظهر صورة للعقيد معمر القذافي ونجله على صدر إحدى محاربات القوات المسلحة الليبية. 29-05-2011

محمد سحيم يكتب: معضلة الاستبداد الراشد!

أول قطعة من أفخر أنواع الشوكولاتة تكون ساحرة، الثانية أيضاً، الثالثة تقريباً لكنها تحمل غالباً أُولى علامات انحدار مستوى المذاق والمتعة، القطعة الرابعة عشر تكون غالباً أشبه بإجراء تحدٍ قاسٍ أو تمرينٍ صعب ثم تتحول المتعة التي كانت في القطعة الأولى إلى عذاب تدريجي إذا ما أُرغم الإنسان على الاستمرار في التقام القطع.

هل الحُكم الاستبدادي "الراشد" ينطبق عليه التشبيه بتناول قطع الشكولاتة؟ نعم إلى حد وكيف ما، جُل الليبيين بمن فيهم العقيد معمر القذافي وفريق انقلاب 69 يعرفون قصصاً عن دماثة خلق ورُقي أُسلوب الملك الراحل ادريس السنوسي وأغلب رجال الأسرة السنوسية، الجميع تقريباً من مختلف الاتجاهات يُقرّون بهذا الشيء كذلك هو الحال في العربية السعودية وفي دولة الإمارات العربية وقطر والكويت، أذهان الناس تختزن مواقف وقصص عن طيب ولطف وكرم الشيخ زايد والملوك فيصل وفهد وعبدالله والعديد من الأمراء من آل سعود وفي الكويت الأمير الشيخ جابر الصباح، بعض هذه القصص أشبه بالمبالغات والأساطير لكنها بالحد الأدنى تدل وتخبر عن حاكم رحيم ولطيف وكريم وطيب، هذا الحاكم ينفرد بالحكم والمُلك لكنه في المقابل يُحسن إلى رعيته أفضل مما قد يفعل أفضل الحكام الديمقراطيون في الدول المتقدمة، لعلك إن استمعت إلى اتصال أحد المطلوبين الأمنيين لدى وزارة الداخلية السعودية بهاتف وزير الداخلية حينها وولي العهد الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز واستمعت إلى لطف الرد ورقي الأخلاق والقول وحنان الإجابة من الأمير لاعتقدت أنك في حضرة يوتوبيا وأسطورة لاعلاقة لها بالواقع ناهيك عن أن تكون القصة في أشد بلاد الأرض قسوة وغلظة في القول والتعامل والحكم، لكن يبقى هذا الحلو من القصة أشبه بمذاق القطعة الأولى من الشكولاتة.

الاستبداد الراشد "الحكيم" كما يُقدمه التاريخ والواقع والتجارب، لاينتج ديمقراطية في أجياله اللاحقة، يذهب المُستبد الراشد الحنون وتأتي صيغ أخرى من الورثة قد لايشبهون أسلافهم.

هنا تكمن معضلة الحكم الاستبدادي الراشد، فقد يستعذب الناس لُطف حاكمهم وتتحول العلاقة بين الحاكم والمحكوم من الجبر والإرغام والتعالي إلى علاقة احترام وإجلال وحتى تقديس -نموذج الملك ادريس السنوسي- ويربو الخير وتعيش البلاد في نعيم وخير إلى أن يدور دولاب التاريخ ويخلِف الأمير أو الملك ابن أو أخ لايحظى بمكانة الراحل ولايبحث عن إقامة مثلها عند شعبه، فينقلب الهناء وتبدأ مرحلة العُسر والأزمات السياسية والاحتقان والعسف وتبتلع الأمة القطعة الخمسين من علبة الشيكولاتة وتغدو نواقيس الخطر تضرب في آذان من يحسنون التقاط الإشارات.

هذه العقدة والمفصل، الذي أسميته (معضلة الاستبداد الراشد) هي التي تُعطي الأفضلية للنظم الدستورية على النظم الاجتماعية العُرفية وتعطي الأفضلية للأسلوب الديمقراطي على الأسلوب الاستبدادي بشكليه القمعي والراشد، الأفضل يستديم السلم والاستقرار ويوفر للناس خطة لإخراج الحاكم من الحكم غير الموت، في حين أن الحُكم الاستبدادي لايعرف مخرجاً من قصر الحكم إلا إلى القبر، لذا فمعادلته التي يقدمها إلى الناس (أحكمكم أو تقتلوني) هي أفضل طرق تحضير الفوضى والحرب الأهلية وإدخال البلاد إلى زواريب مقفلة.

بعض أصحاب الأحكام المستعجلة والنظرة السطحية للأمور يسخرون من أهمية الديمقراطية والنظم الدستورية عبر معايرة إنجازات الراحل زايد بن سلطان في الإمارات أو الراحل عبدالله بن عبد العزيز وبعض أمراء آل سعود، أيضاً إنجازات الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح في الكويت يقارنونها بإنجازات الحكام الديمقراطيين في دول أخرى ويقولون (لا أهمية للديمقراطية والأنظمة الدستورية).

التاريخ والتجارب يرفضان هذا الاستعجال ويؤكدان على أن النظام الديمقراطي قد لاينجز كما تُنجز الأنظمة الاستبدادية التي لاتعرقلها معارضات أو إجراءات بيروقراطية، لكنه على المدى البعيد يراكم الإنجازات ويحافظ على المنجز والموجود ويحمي البلاد من الدخول في دوامات الفوضى، بينما قد يقتلع أي ولي عهدٍ مستبد قد يرميه دولاب التاريخ إلى كرسي الحكم كل إنجازات أسلافه وأسرته ويرسل بلاده ودولته إلى دوامة الفوضى فتصبح ذكرى و أثر بعد عين، اقرؤوا كتب التاريخ فدول وممالك الأمويين والعباسيين والمماليك والعثمانيين تحوي مئات النماذج التي تقر ما قلته وتؤكد على أزمة أسلوب الحكم الاستبدادي حتى وإن كان راشداً.