هنا صوتك - مهاجر أفريقي في سبها، تصوير عبدالمنعم الجهيمي

عبدالمنعم الجهيمي يكتب: حول مفهوم وحقيقة الرق في ليبيا

ما بين منكر لوجود تجارة البشر في ليبيا ومثبت لها، يحار المرء كيف ينظر لهذه القضية التي أثارها فيديو أنتجته قناة السي إن إن والذي أعقبته موجة من الاستنكار والجدل في آن.

ولكن أحب أن أرد المسألة لنضع لها ترتيباً قد يساعدنا على فهم القضية بشكل أكثر هدوءً، أولاً السياق الذي نعرف فيه تجارة الرقيق، فأغلبنا عندما نتحدث عن الرق تحضر في أذهاننا تلك الصورة النمطية التي تكونت بفضل الدراما العربية التاريخية والتي تقدم الرق في صورة أسواق النخاسة وأحاديث البيع والشراء لاقتناء الجواري والعبيد، وهدايا علية القوم لبعضهم الجواري والغلمان، والمثقفين والقرّاء منا تتبادر في ذهنهم ما قرؤوه عن أخبار الجواري والرقيق في أمهات كتب التاريخ والأدب، وشعبياً عند الأجداد لا تزال صورة المسترقين لديهم على حالها وأحوالها، وهذه الصور النمطية تسير في اتجاه واحد، يستهجنه الجميع الآن، وإن كان بعضنا يتندر ويتمنى عودة الرق لتتوفر له فرصة الزواج بشكل أسهل.

العالم الغربي ينظر للرق أو يعرّفه بشكل آخر، فهو يرى أن مجرد وقوع البيع والشراء يعتبر رقاً، مهما اختلفت الأسباب والدوافع، وهذا التعريف أو هذه النظرة هي المعترف بها عالمياً ووضعت على أساسها المعايير التي تحارب تجارة الرق، وهي بشكل عام تتضمن فهمنا للرق.

ما يحدث في ليبيا أو في بعض مناطقها هو أن يقوم مهرب ببيع بضاعته البشرية لمهرب آخر بغرض العمل في الدعارة أو بغرض التشغيل في مقرات المهربين الجديدة. الواقع هنا أن تجارة البشر قائمة بشكل أساسي على النساء اللواتي يستخدمن في منازل الدعارة، وتكون المسترقة هنا على إحدى الحالتين، إما أن يقع استرقاقها من حيث أتت أو في الصحراء، وإما أن تسترق عنوة إذا ما أعجب بها أحد كبار المهربين، ورأى فيها عنصراً يجذب الزبائن لبيوت الدعارة التي تحتاج دوماً لدماء جديدة.

يظل بعد ذلك المسترقون من الرجال والذين يقع بيعهم إما للعمل مع مهرب يريد افتتاح مقر جديد ويحتاج لأيدي عاملة في المقر تنفذ بعض أعماله القذرة وغيرها، وإما لغرض الاستخدام لدى بعض ميسوري الحال وهذا قليل جداً.

وحتى تتضح الصورة بشكل أفضل، فإن الأساس هنا هو تهريب المهاجرين غير القانونيين، ونشاط التهريب تصاحبه عدة نشاطات قد تكون أقل وتيرة منه، وقد تفوقه حسب تحسن أوضاع المهربين، من هذه النشاطات المصاحبة تهريب الوقود، تهريب المخدرات، وبيع البشر، الأخير يسير بشكل منسق ومرتب بين أطرافه، فلم نشهد مزادات علنية أو جماعية له، عبارة عن اتصالات بين البائع والمشتري وقد يأتي المشتري لعين المكان ليعاين بضاعته ويؤكد سعرها وتنتهي الصفقة بهذه الطريقة.

وكون المهربين يعملون في مناطق لا تسيطر عليها السلطات المحلية، فمن الطبيعي أن لا تعلم بما يحدث، أو تتغاضى عنه لعدم قدرتها، فأعمال البيع والتعذيب وبيع الخمور والإجهاض وحتى الاغتصاب تقع على الدوام في تلك الأماكن المنغلقة على نفسها.

لا تستطيع ليبيا تحمل هذا المشهد لوحدها، فهو نتاج طبيعي للفوضى التي تعيشها البلاد، كما إن صور الاتجار بالبشر لا تقتصر على ليبيا فقط، هناك أماكن كثيرة في العالم تقع فيها مثل هذه الممارسات، مثل أوروبا الشرقية وروسيا والأمريكيتين وجنوب غرب إفريقيا.

يجب أن أُذّكِر هنا أن ما قد نصف به صورة تجارة الرق في منطقة ما قد لا يقع نفسه في منطقة أخرى، أنا هنا أتحدث عن وقائع شهدتها بنفسي، وليست نقلاً عن طرف آخر.

علينا الاعتراف بما هو موجود حجماً وكماً وكيفاً، ثم علينا إشراك العالم في وضع آليات وسبل حل هذه المعضلة بدل أن نستعدي العالم بتهم أنه يريد التدخل وتشويه صورتنا، علينا جميعاً إدراك أن ما حدث ويحدث من اتجار بالبشر لا يمثلنا، فمن يقوم به هم حفنة من ضعاف النفوس، استغلت الفوضى والفراغ الأمني لتمارس إجرامها بيننا.