AP - فتاة سورية تستخدم ضوء الهاتف المحمول لإنارة شارع مظلم في دمشق القديمة

صدام حسين يكتب: أحلام المدينة

منتصف نيسان عام 2014، يمرّ شريط عاجل باللون الأحمر على شاشة إحدى الفضائيات السورية: «سقوط قذيفة هاون في حرم جامعة دمشق».

ما بعد السقوط، تنفجر في أذهان الشباب عشرات الأسئلة، تتشظى معظم أحلامهم، ويدور داخل كل واحد منهم حوار جدّي حول المستقبل، بعضهم يفكر بحزم حقائبه للمغادرة، والبعض الآخر تعطّلت لديه ميزة التفكير، وقرّر أن يعيش اللحظة فقط.

فرصة

في ذلك اليوم تحديداً، هناك من فكّر «خارج الصندوق»، وأراد تحويل الحدث المرعب والتهديد الوجودي إلى «فرصة».

التوأم أنس ونور الأسود (22 عاماً)، حوّلا قذيفة الهاون إلى إنسان له يوميات، عبر صفحة على «فايسبوك»، كان الموضوع في البداية مجرّد «نكتة» وسخرية من واقع مؤلم، ولكن الصفحة تحوّلت خلال فترة وجيزة إلى مرجع أساسي لمعرفة أماكن سقوط القذائف، وبسبب «عامل الخوف» أصبح الدخول إلى الصفحة عادة يومية لسكان العاصمة السورية «لأخذ الحيطة والحذر».

مسار الحلم

يقول أنس الأسود إنه كان يحلم بدراسة الصيدلة، ولكن مسار الحلم تغيّر لديه مع بداية الحرب، حيث انشغل بالمواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح حلمه اليوم كما يقول «إنشاء منصة الكترونية ضخمة تهتم بصحافة المواطن».

أما نور الأسود، الشقيق الأصغر بـ «ربع ساعة»، كان يحلم باختصاص طبي، ولكنه اليوم يتابع دراسته في كلية الإعلام، بعد أن غيرت «يوميات قذيفة هاون» مسار أحلامه.

يقول نور إن الصفحة تقترب الآن من حاجز 4 ملايين مشترك، بعد حصولها على علامة زرقاء من «فايسبوك»، وأُنشئ لها موقع الكتروني، وأصبحت تنشر إعلانات تجارية بشكل يومي، وهو ما يحقق تمويلاً معقولاً للمشروع، ومع الهدوء النسبي في العاصمة السورية، تحوّلت الصفحة "حسب نور" إلى منصة لنشر الأخبار المحلية والاجتماعية والخدمية، وتهتم بالجانب الإنساني، مبتعدة قدر الإمكان عن السياسة.

إعادة إعمار

في عمق غوطة دمشق الشرقية، يعيش «عمر»، وهو مهندس مدني تخرّج من جامعة دمشق قبل الحرب.

يقول عمر «اسم مستعار» إن معظم الشباب نزحوا من مدينة دوما، ولكنه فضّل البقاء لمساعدة أبناء مدينته، وترك مهنة الهندسة، قاطعاً عهداً على نفسه بعدم حمل السلاح.

لاحظ عمر (28 عاماً) أن معظم الأطفال والطلاب انقطعوا عن التعليم في سنوات الحرب، وهنا ولدت الفكرة، حيث أنشأ بمساعدة بعض الأساتذة مدرسة صغيرة بإمكانيات متواضعة.

يتحدث عمر بشغف عن مشروعه الذي ساعد مئات الطلاب من مختلف المراحل لمتابعة تعليمهم حسب المناهج السورية، ويقول إنه رغم الصعوبات، تم إخراج العشرات من طلاب الشهادة الإعدادية والثانوية من الغوطة الشرقية وقدموا امتحاناتهم في دمشق، بالتنسيق مع الحكومة ووزارة التربية السورية.

يتكلّم عمر بنشوة المنتصر عن نتائج طلابه، وبالنسبة إلى تغيير مهنته وحلمه القديم بالهندسة يقول إن الكثير من العمل ينتظره في مرحلة إعادة الإعمار، ولكنه يعتبر أن ما يقوم به الآن أكثر أهمية، لأن «إعمار البشر أكثر صعوبة من إعمار الحجر».

الدفاع عن لقمة العيش

محمد الحمصي (29 عاماً) شاب آخر من دمشق، كان مرناً في التكيف مع الواقع، فهو يعمل الآن كسائق تاكسي، بعد أن ترك مهنة المحاماة، كان حلمه أن يصبح قاضياً، ولكن «ليس هناك قضية تستحق الدفاع عنها، أكثر من لقمة العيش»، يقول محمد، الشاب الذي خسر والده كل ما يملك في إحدى ضواحي دمشق، فأصبح المعيل الوحيد لأسرته.

علي حسن، شاب آخر من شارع الأمين بدمشق، لم يتخلَّ عن حلمه، ويقول إن الحرب ليست نهاية العالم، بل كانت فرصة جيدة لتطوير قدراته في مجال الإعلام.

حيث يرى أن سوريا أصبحت أرضاً خصبة للقصص الإخبارية، وساحة منافسة كبيرة بين الآلاف من «الإعلاميين والصحافيين، ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي» الذين أفرزتهم الحرب.

تعايش علي (25 عاماً) مع صعوبات ممارسة المهنة في البلاد، ورغم الفرص المتاحة في الخارج، فضّل البقاء في دمشق، لأن «الإعلامي الحقيقي يظهر في الأزمات وليس في ظروف مثالية» كما يقول.

سؤال تقليدي

معظم السوريين تعرضوا في طفولتهم لسؤال تقليدي من المعلمة في اليوم الأول من المدرسة: ما هو حلمك، أو ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟.

يبدو أن صيغة السؤال لم تكن مناسبة، والسؤال الأكثر بلاغة: هل بوسعك الاستمرار بالحلم، وهل تستطيع التمسك بأحلامك مهما كانت الظروف؟.