AP - فتاة من مجتمع المهمشين في حي فقير بمحافظة صنعاء. 16-05-2016

عبد العزيز البدوي يكتب: الحب كثورة على التمييز العنصري!

في منتصف سبتمبر الماضي، شهدت اليمن واحدة من أبرز الثورات المنادية بكسر حاجز التقاليد الراسخة منذ القدم، ثورة جمعت بين الشاب طاهر عبده أحمد، والذي ينتمي للقبيلة، والفتاة فريدة المقرمي، التي تنتمي لفئة المهمشين في البلاد ليسدل عليهما ستار الزوجية، عقب قصة حب عاصفة استمرت لستة أعوام.
 
وجد الحبيبان نفسيهما وسط جملة من المعوقات المجتمعية التي ترفض ارتباطهما بحكم اختلاف طبقتيهما الاجتماعية، فهو شاب قبيلي، وهي فتاة مهمشة، والموروث الثقافي في البلاد يرفض علاقات من هذا الصنف، ويعتبرها تحدٍّ صارخ لقيمه وعاداته، لدرجة أن طاهر تردد على أكثر من أمين شرعي لكتابة عقده على حبيبته المهمشة، وكانت محاولاته في إقناعهم تبوء بالفشل، وبعد جهود مضنية بذلها الشاب وبمساعدة من جهات حقوقية تم عقد النكاح الشرعي بين الحبيبين طاهر وفريدة في مقر منظمة إنترسوس العالمية بمديرية التربة، بمحافظة تعز، في منتصف سبتمبر الماضي.
 
تأتي قصة حب طاهر وفريدة لتنبش ذاكرة اليمن المثخنة بالعنصرية والتمييز الطبقي بين فئات المجتمع، فالموروث الثقافي والتقاليد الراسخة في البلاد تعامل المهمشين بشيء من الاحتقار، بسبب لون بشرتهم، ويتعالى عليهم أبناء القبائل، وينعتونهم بالأخدام، ويرفضون مصاهرتهم أو حتى الاندماج معهم.
 
ذلك التعالي والتمييز العرقي الذي يمارسه أبناء القبائل، ولد حالة من عدم الرضا لدى المهمشين، وجعلهم ينغلقون على أنفسهم في عشش وأكواخ مستقلة عن مساكن باقي فئات المجتمع، ويتهيبون من الاندماج مع باقي مكونات المجتمع، وبسبب تلك النظرة التمايزية أيضاً بات غالبية المهمشين أميين، كون التنميط السلبي ساهم في نفورهم عن المدارس، ودفع معظمهم للانخراط في مهن بدائية ومتدنية الأجور كتلميع الأحذية، وتنظيف الطرق والمباني الفخمة.
 
أهملت الدولة قضية المهمشين، وجعلتهم عرضة للانتقاص والابتذال من قبل باقي طبقات المجتمع، فلم تصدر قوانينا لتجريم التمييز العنصري الممارس ضدهم، ولم تمد يد العون لهم لتمكينهم من الاندماج مع باقي الفئات المجتمعية.
 
يفوق عدد المهمشين في اليمن الثلاثة ملايين شخص، وبحسب تقديرات اليونسكو يشكلون نحو 10% من سكان البلاد، ولكنهم يعانون من التهميش، وتنظر لهم القبيلة كتابع فائض عن الحاجة، ويحرمون مصاهرتهم، ولا يتعاملون معهم وفق مبدأي المساواة والعدل، وحتى الدولة نفسها لا تعاملهم كمواطنين صالحين إلا في ساعة الانتخابات والمسيرات المؤيدة للنظام الحاكم، ليبقَ المهمشون أشباه مواطنين منزوعي الحقوق والإرادة في قاموس الدولة والمجتمع العنصري.
 
رغم مأساوية حال المهمشين في اليمن اليوم، إلا أننا نراهن على ثورات وعي ومبادرات شبابية لكسر حاجزي العنصرية، والعادات السائدة كثورة طاهر وفريدة، التي شكلت نواة لتغيير مرتقب في روتين الاستعلاء والتمايز الطبقي، وأوجدت حافزاً قوياً للتخلص من كل الظواهر السلبية السائدة في البلاد.
 
تهانينا لطاهر وفريدة على نجاح مشروعهما العامر بالحب، وشكرنا البالغ لكل المنظمات الإنسانية التي هيأت المناخ لإنجاح مشروع إنساني راق كمشروع طاهر وفريدة سالف الذكر.