هنا صوتك - ندوة في ذكرى اليوم العالمي للشباب ببنغازي 2016 - عدسة: هنا ليبيا.

ريم التمبكتي تكتب: حان الوقت لتعديلات على لهجتنا الليبية!

"قاعدة بنت"، هكذا تعلن اللهجة الليبية عن الحالة الاجتماعية لامرأة مازالت عزباء على الرغم من وجود تعبيرات أخرى متداولة تحمل ذات المعنى إلا أن استخدام كلمة بنت للتعبيرعن هذه الفكرة يبقى الاستخدام الأكثر شيوعاً في الأحاديث اليومية لليبيين. ولكن لماذا تبقى المرأة في حديثنا بنتاً، طالما لم تتزوج وإن بلغت من العمر الستين عاماً؟ ما الذي بإمكاننا استنباطه من خياراتنا اللغوية المتعلقة بالمرأة عن ثقافتنا؟.

ولكوننا نتناول وبالتحليل استعمال كلمة ما، فإنه من البديهي أن نتتبعها لنفهم ما تحمله من معانٍ في السياق الليبي. البنت في اللهجة الليبية المعاصرة كما هي في العربية الفصحى الأنثى من الأولاد، جمعها بنات وتصغيرها بنَيَّة. فيقال باللهجة الليبية "زادت عليهم بنت" إذا رزق أحدهم مولوداً أنثى، أو "بنتي تخرجت" إذا ما أتمت دراستها الجامعية، ويبقى المولود الأنثى بنتاً بالنسبة لوالديه طوال حياته كما هو الحال مع أخيه لا يختلفان في هذا، فهي بنت محمد وهو ولده، كما أنها بنت فاطمة وهو ولدها، أما خارج المنزل فتتغير الألفاظ بدخول الأبناء مرحلة الشباب، يصبح الابن "عزري" أو شاب، بينما لا يتبدل الأمر بالنسبة للابنة، فتبقى "بنت"طالما لم تتزوج، ولا نجد تغييراً في التسمية عند انتقالها إلى مرحلة عمرية جديدة إلا في تعبيرات يقتصر استخدامها على مناطق محددة من البلاد ككلمتي صبية وشباب على سبيل المثال.

يتوقف الليبيون عن استعمال كلمة عزري للإشارة إلى الابن بعد تجاوزه مرحلة عمرية ما، فيتحول إلى رجل "عزابي"، أو "مش متزوج"، وفي المقابل تبقى البنت بنتاً ما دامت عزباء أو "ما جاهاش نصيب"، وعلى الرغم من وجود كلمات وتعبيرات أخرى إلا أنها تجتمع حول رفض مستتر للاعتراف بأن هذه البنت ليست في الحقيقة بنتاً وإنما امرأة ناضجة.

وفي مجتمع يحرم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج ويضع هالة قدسية حول مفاهيم الطهارة، والشرف والعفة، فإن صفة "بنت" تحمل في حروفها أكثر من مجرد تمييزها، فعندما تقول إحداهن إن فلانة مازالت "بنت" فهي في واقع الأمر تشير بشكل غير مباشر إلى أن المرأة المذكورة مازالت عذراء. وكثيراً ما تسمع وشوشة عن تلك التي تزوجت وتبين أنها "مش بنت" أي غير عذراء.

ولأن الأطفال في ثقافتنا أنموذج البراءة والنقاء، فمن المتوقع أن نعبر ببنت - عكس امرأة - عن امرأة ما  لأنها مازالت في نظرنا تحمل شيئاً من براءة ونقاء الطفولة، أي أننا عندما نستمر في استخدام بنت عوضاً عن تعبير عزباء على سبيل المثال فنحن في لاوعينا الجمعي مازلنا نرى شيئاً من عدم النضج في المرأة لأنها لم تجرب الزواج،  بل إننا نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فعندما نربط عدم زواج إحداهن بالطفولة فنحن نقول بأن نضج المرأة لا يتحقق إلا بالزواج، وقد نجد أنفسنا نتعامل مع النساء كأطفال عاجزين عن الاعتناء بأنفسهم وهذا بطبيعة الحال فيه نوع من عدم الاحترام وغياب الثقة بفرد راشد وقادر على إحداث تغيير في المجتمع وتقديم الكثير للعالم ونساهم ضمنياً في عدم أخذ آراء الكثيرات على محمل الجد بالرغم من عمق خبرتهن الحياتية والعملية.

فعندما نربط النضج في ثقافتنا ولغتنا بالزواج فكأننا نبعث برسالة مفادها أن التجربة الوحيدة التي ستدخل المرأة إلى عالم البالغين هي الزواج وكل ما كان غيره أو قبله فهو غير كاف!.

في مجتمع حيث مازال هناك الكثير أمام المرأة كي تحققه وتقاتل من أجله، لابد  أن نغير من عاداتنا ليست فقط السلوكية بل اللغوية كذلك! ربما حان الوقت أن نختار كلمات أفضل.