AP - المنتخب السوري عقب تعادله مع نظيره الإيراني في التصفيات المؤهلة لكأس العالم

منذر مصري يكتب: السياسة ككرة القدم!

أعترف أنني ومنذ بداية القيامة السورية بات كل شيء يتعلق بسوريا كشعب وكوطن، يمسني ويعنيني على نحو عاطفي لم أكن أتصوره من قبل. إلاّ أن كرة القدم كانت خارج كل هذا، فقد توقفت لسنين عديدة، ولم يعد الدوري، إلا منذ سنتين ربما. فإذ فجأة، يعمّ خبر فوز منتخب سوريا الجريحة النازفة على منتخب قطر 3-1 التي تجري استعداداتها، بإمكانياتها المادية والإعلامية المهولة، لإقامة بطولة كأس العالم 2022، ومن ثم تعادل المنتخب السوري في اللحظة الأخيرة، مع نظيره الإيراني 2-2، الذي لم يخسر أي مبارة في التصفيات، وما أثار هذا من لواعج، ونكأ من جراح، لدى السوريين، الموالين والمعارضين.

لكن الفضل بهذا لا يعود للوطنية الصادقة أو الزائفة، التي يتصف بها السوريون، ولا حتى لمستوى كرة القدم داخل سوريا، الذي بات في الحضيض، ولا للإعدادات والإمكانيات المادية والفنية المتواضعة، كما كانت دائماً، فلولا انضمام بعض اللاعبين السوريين المميزين، خارج البلاد، وعلى رأسهم، فراس الخطيب، نجم نادي العربي الكويتي وهداف الدوري، وعمر السومة، مهاجم الأهلي السعودي وهداف الدوري أيضاً، وعمر خريبين (جوهرة) الهلال السعوي، الذي دان له فوز السوريين الأول بتسجيله هدفين، وكذلك هداف الدوري الأردني مارديك ماردكيان، ابن الأسطورة الحطينية كيفورك ماردكيان؛ لما استطاع منتخبنا المصنف 80 عالمياً، الخروج من عنق زجاجة الهزائم التي كادت تؤدي إلى خروجه الباكر من التصفيات.

لكن عودة كل من الخطيب والسومة في هذه الظروف لم تكن بهذه البساطة، فقد عرفا بمواقفهما المناوئة للنظام السوري، الخطيب الذي صرح يوماً أنه لن يلعب للمنتخب طالما مدافع النظام تقصف السوريين، والسومة الذي لفّ جسده بعلم الثورة، ذي العيون الحمراء الثلاث، إلا أن ذلك حصل في النهاية. وبقدر ما تقبل سوريون كثيرون عودتهما باعتبارها استجابة لحاجة وطنهم، بقدر ما اعتبرها البعض خيانة دفعتهما لها انتهازيتهما وتغليبهما أهدافهما الشخصية على..لا أدري ماذا..فلأقل، أهداف الثورة، لأني إذا قلت أهداف الشعب السوري، فلقد شهدت بأم عيني حشوداً وقوافل من شباب الصليبة والسكنتوري والرمل الجنوبي، الأحياء التي شهدت المظاهرات والتجمعات الأولى، إضافة لغيرها من أحياء المدينة، يتجهون إلى الملعب البلدي (استاد الباسل)، استجابة لرسائل أرسلت على الهواتف النقالة، بأنه ستوضع شاشة عملاقة لعرض المبارة بالمجان، فكان من المستحيل علي دخوله، أنا ومئات الناس الذين راحوا يخبرون الجميع وهم راجعون، بأنه لم يبق مكان، وبأن الشاشة العملاقة يخفيها الازدحام.

انتهت المباراة الأولى بفوز كبير لم يتوقعه أحد، فسمعت لأول مرة، كما أغلبية الشعب السوري، باسمي العمرين.. خريبين والسومة، كما سمعت لأول مرة أيضاً، المدرب أيمن الحكيم، يهدي الفوز، لا للقيادة الحكيمة ولا للرئيس المفدى، بل للشعب السوري جميعه دون استثناء!؟ بالطبع فسر البعض هذا، بأنه تعليمات جاءت من فوق!، غير أنه كان بالتأكيد شيئاً مختلفاً عن صيحات الراحل عدنان بوظو معلقاً على مباريات تلك الأيام. ثم تبين أن هناك مباراة أخيرة أشد صعوبة تنتظر المنتخب السوري مع المنتخب الإيراني متصدر المجموعة الأولى، الذي لم يخسر في كل التصفيات، وكان يربح كل مباراياته مع منتخب سوريا منذ 14 سنة، حين تعادل بنتيجة 1-1 بهدف مهاجم حطين والمنتخب آنذاك (زياد شعبو)، والذي كاد، هو نفسه أن يصنع أزمة حقيقية بمنشوره اللماح على صفحته في الفيسبوك:

"أعزائي الإيرانيين:
معقول نستشهد معاً
نروح عمجلس الأمن معاً
نسحق داعش معاً
نشرب متة عالجبهات معاً
وبالأخر تروحو عكأس العالم لحالكن؟

يعني بحياة السوهان ماعيب تجتمعوا أنتوا والروس هنيك ونحنا مانكون ثالثكما؟
خلص بيعونا هاللعبة، وياهلا فينا محور ببعضنا، مامحرزة نخسر بعض كرمال ٣ نقاط.
بحياة شوارب الخامنئي عطونا اللعبة
".

لم يعطنا الإيرانيون اللعبة، لأن ذلك بالتأكيد كان سيحرم المنتخبين من التأهل، السيناريو المثالي لمعارضي النظام السوري، الذين بدوا وكأنهم يفضلون فوز محتلي سوريا وقاتلي الشعب السوري، بعرفهم، على فوز منتخب النظام!. الأمر الذي قصر عنه الموالون أنفسهم، حيث كتب بعضهم عبارات جارحة في حق الإيرانيين. وبدل الفوز أو الهزيمة، جاء التعادل 1-1، ما اعتبر نصراً للسوريين يتيح لهم اللعب في الملحق الآسيوي المؤهل لكأس العالم موسكو- 2018.

أما الحجة المتداولة، بأن النظام سيستفيد وسيستخدم هذا الفوز، وخاصة إذا تأهل المنتخب لكأس العالم، لأول مرة في تاريخ سوريا، فأظنه ليس خافياً أن النظام يستفيد ويستخدم الأرض والبحر والسماء والمطر والشمس وحتى.. الهواء، وملايين السوريين الباقين داخل سوريا، كما يستفيد ويستخدم خروج الملايين منها، إذا لم أقل إنه يستفيد ويستخدم لتحقيق مصالحه كل شيء يجري في العالم.