هنا صوتك - أجواء العيد في سوق الحميدية وسط العاصمة دمشق

نسرين علاء الدين تكتب: ثلاثية أيلول تعصف بالمواطن السوري!

منذ خمس سنوات والسوريون يعيشون كابوساً اسمه أيلول، يتواطأ فيه العيد مع موسم المؤنة وبداية العام الدراسي، مما يجعل هذا الشهر؛ غير مبشر بالفرح.

تفاضل الأسر السورية بين ثلاثة خيارات، أحلاهم أكثر اجتياحاً، فهل توجد فرحة تضاهي فرحة الأطفال بثياب العيد، يجيب آخر نعم، توجد فرحة التلميذ باليوم الأول، والحقيبة الأنيقة، والبدلة المدرسية الجديدة، لكن الكثيرين يجدون أن الفرح هو صحن من "المكدوس" تتناوله بعد منتصف الليل!.

لا تستطيع معلمة المدرسة ليلى، (43 عاماً)، المفاضلة بين الخيارات الثلاث التي يفرضها أيلول، تقول: "لا أملك سوى مرتبي أنا وزوجي، ولدينا أربعة أطفال، ويتوجب علينا دفع إيجار المنزل "خمسة وعشرين ألف ليرة" (ما يعادل 50 دولار أميركي)، ليتبقى أقل من ستين ألف ليرة، انضممت إلى "جمعية" أدفع كل شهر خمسة آلاف ليرة، على أمل أن أقبض مبلغ مائة ألف بداية شهر أيلول، وأصرفها للمؤنة واحتياجات الأطفال للمدرسة وأنا على يقين أني لن أفي أياً من تلك الاحتياجات حقها الكافي".

شد الحزام  

تصنف المنظمات الدولية الاقتصادية الأفراد الذين يعجزون عن توفير تكاليف المتطلبات الدنيا الضرورية، من حيث المأكل والملبس والرعاية الصحية والمسكن، بعبارة "يعيشون تحت خط الفقر أو الفقر المدقع". خط الفقر المتعارف عليه عالمياً كان حوالي دولار أمريكي  في اليوم الواحد للفرد، لكن البنك الدولي عاد في عام 2008 ورفع هذا الخط إلى 1.25 دولار.

لكن أبو حازم، (50 عاماً)، يقول: حتى خط الفقر لم أعد أستطيع لمسه، أعمل في "العتالة"، أحيانا أحصل على ثلاثة آلاف ليرة في اليوم وباقي الأسبوع أمضي خالي الوفاض، فقدت منزلي ودكاني الصغير بسبب الحرب، تمضي أيام كثيرة ينام فيها أطفالي الأربعة دون طعام، بالنسبة لنا لا يوجد عيد نهلل له، ومؤونة تملأ رفوف مطبخ منزلنا كما قبل، والمدرسة هي لمن يحصل على حقيبة ودفاتر من اليونسف".

المؤونة أولاً

يجهد سامر في البحث بين أسواق ضواحي مدينة دمشق ليفاضل بين أسعار الخضروات، وسيكون من الرابحين حين يحصل على (شروة) من البندورة أو الملوخية الذابلة؛ بسعر أقل من سعرها المعلن على أبواب بائعي الخضروات. يقول: "نعيش خمسة أشخاص في المنزل، أعمل وزوجتي وابنتي الكبرى، ومع ذلك نجد أنفسنا عاجزين عن إكمال الشهر الواحد كما يجب".

 لا يستطيع سامر تلبية كافة احتياجات عائلته، يضيف: "المؤونة هي من أساسيات المنزل، ففي الشتاء ترتفع أسعار الخضار، ولا أتمكن من شرائها، كما أننا لم نعد نصنع المكدوس بالجوز والزيت، باتت تحفظه زوجتي كأنه مخلل، وكي نوفر ثمن الملوخية صرنا نشتريها بالعيدان، نسهر كل الليل على قطفها و"تيبيسها"، ومن ثم تأتي احتياجات المدرسة من ثياب وقرطاسية، ليصبح العيد من ذكريات الزمن الجميل".

لا للعيد

تشتري أم خالد احتياجاتها قبل هجوم العيد حيث ترتفع الأسعار، وتقول: "لم أحضر هذا العيد الملابس لأطفالي، حيث اشتريت لهم ثياباً في عيد الفطر المنصرم، خبأتها كي تبقى جديدة للعيد الحالي، ولم أحضر الحلويات، واكتفيت بالقهوة المرّة، لسنا قادرون على احتياجات العيد كما يجب، أو نحضر حاجيات أبنائي للمدرسة، لكن مؤونة الشتاء هي التي تشكل العبء الأثقل، وفي كل سنة ألغي نوعاً من أصناف المؤونة، ليبقى صحن المكدوس الأهم حالياً".

 الأفقر عالمياً

لا يحتاج السوريون لدراسات تثبت وضعهم المعيشي المتردي الذي وصلوا إليه خلال سنوات الحرب، مؤسسة غرافيك الأميركية تقول في دراستها السنوية حول الفقر في دول العالم: "إن سورية جاءت في المرتبة 45 عالمياً والثانية عربياً من حيث الدول الأكثر فقراً بعد اليمن، وتعتمد غرافيك في دراستها على نسبة دخل الفرد سنويا".

مركز فيريل الألماني أجرى بحثاً اقتصادياً حول الأوضاع المعيشية في سوريا في أيار،2016، وتبين أنه لكي يعيش المواطن السوري حياة مماثلة لما كان يعيشه في 2010؛ يتوجب أن يكون راتبه الشهري 240 ألف ل. س أي بما يعادل 470$، بينما يتقاضى الموظف السوري وسطياً حوالي 25 ألف ليرة شهرياً (50 دولار أميركي).

يبقى السوري يعيش وحيداً تحت وطأة عدد من الخطوط، خط الحياة، خط السعادة، خط الخوف، وخط الفقر، دون أن تمتد نحوه الأيادي التي من المفترض أن تنتشله من واقعه، فلا ضبط للأسعار، ولا مساعدات دعم للرواتب، ولا خفض للتضخم.