هنا صوتك - طفل سوري في ريف دمشق

ديما نقولا تكتب: مفاتيح ما تبقى من بيوتنا!

أحتفظ  بحمالة مفاتيحي في حقيبتي منذ سبع سنوات، الحمالة تحوي كل عام مفتاحاً مختلفاً كلما انتقلنا من منزل لآخر، يجاوره دوماً مفتاح ثابت لا أستخدمه، مفتاح بيتنا الموجود في ريف دمشق!.

لا أعلم من مثلي أيضاً لايزال يحمل مفتاح بيته كثقل إضافي في القلب، وهولا يدري إن كان سيعود إليه، أو يجده بعد الخراب الذي خلفته الحرب في كل مكان.

المعادلة السورية للسكن في الوقت الحالي؛ تحتاج الكثير من العدالة لتصبح إنسانية، فربما أنت تملك بيتاً تعتبره "شقى العمر"، ربما سددت ثمنه بالأقساط، لكنك في الوقت نفسه لا تستطيع العيش فيه، وعليك استئجار بيت لا تجده، أو لا تملك نقوداً كافية لسداد إيجاره. الأمر ليس بجديد بل هو وضع يستغله تجار الأزمات منذ حوالي سبع سنوات دون رقابة أو إنسانية، ليكون متوسط إيجار البيت حوالي مئتي دولار، أي ضعف ما قد تحصل عليه من راتبك الشهري كمواطن سوري.

وإن تخطينا الجانب المادي لهذه الأزمة، فكيف تتخطى الجانب النفسي؟!

تعلمت خلال هذه السنوات أنك قد تكون قوياً بما فيه الكفاية لتنسى ذكريات بيتك، ولكنك لن تملك قوة كافية أبداً لتقنع والديك بذلك.

الكثير من الأمهات السوريات حين خرجن من بيوتهن؛ لم يأخذن معهن سوى بضع حاجيات، في اعتقادهن أنهن عائدات بعد أيام قليلة، لم يعلمن أنها ستمتد لأعوام.

يقول سامر: "رغم أننا انتقلنا منذ خمس سنوات من منزلنا الكائن في ببيلا بريف دمشق، واستقرينا في آخر جديد بالإيجار؛ لاتزال أمي لا تعتبره بيتنا، وفي كل يوم تذكر منزلنا القديم، وتحكي لنا عن فناجين القهوة القديمة، وصحونها الجديدة الفرنسية التي لم تستخدمها بعد، مازالت تتكلم عن التفاصيل الدقيقة التي صنعتها عبر السنين، ولا أعتقد أن شيئاً سوى العودة سيعوض لها شعور الفقدان الذي تعيشه".

هل نحن فعلاً شعب عاطفي؟ متعلقون بأشيائنا وحتى بجدران منازلنا؟، أم أن خصوصيتنا وذكرياتنا التي انتُهكت بانتهاك بيوتنا وحاجياتنا؛ جعلتنا  ثائرين أكثر للماضي؟.

تقول لمياء: "بعد أن خرجنا من منزلنا في برزة بدمشق بفترة؛ لم نعتد بسرعة على بيت الإيجار، لم نألف النوم على أسرّة ليست لنا، وبعد عدة أشهر؛ وجدنا غرفة نومنا تباع تحت جسر الثورة في العاصمة، كنت أعرفها لأني وضعت صورة على الباب الخشبي من الداخل، غرفنا التي لم تعد لنا، وأصر والدي على شرائها هي ذاتها من جديد على  أن يشتري أخرى جديدة، وكان يرسل دعواته للسماء انتقاماً من لصوص الذكريات".

البعض وفي إحدى اتفاقات التسوية والحواجز المشتركة في عدة مناطق، استطاع إخراج بعض حاجياته من بيته، ولكن لم يكن الأمر بتلك السهولة، فعليك أن تخوض الأمرين لاستعادة ما هو ملكك أصلاً.

يقول سامي: "كان علينا أخد ورقة من المختار ومن مقاتلي الجيش الحر في منطقة برزة، لنتمكن من الدخول وإخراج حاجياتنا، المضحك المبكي في ذلك الوقت؛ هو والدتي، التي كانت تتصل حينها هاتفياً وأنا محاط بالحزن والرعب والأسلحة، لتقول لي: "لا تنسى أن تحضر ملاقط الغسيل في السلة الحمراء فوق البراد!"، كنت عصبياً جداً في تلك اللحظة من كونها غير مقدّرة حقيقة الموقف لتسألني عن ذلك!، ولكني في الحقيقة أفهم تماماً ما تشعر به وما تطلبه".

في كل تغير للأحداث، في كل خبر، أو صورة تنشر؛ يلاحق السوريون بيوتهم، يتصلون بجيرانهم القدامى، يسألونهم: "سمعت شي عن بيتنا؟"، يرون طرف البناء في صورة على الإنترنت، يفرحون: "هذا بيتنا لازال قائما!".

البعض استطاع أن يعود لبيته، فيما آخر لم يجد بيته، واكتفى بسماع كلمات المواساة "المهم سلامتك"، البعض لم يعد أصلاً، وربما بيته هو من كان ينتظره، وقسم آخر مازال يملك الأمل وحمّالة المفاتيح والانتظار، فهل من قوانين تحمي حقوق أصحابها في زمن الحرب، هل من رادع أخلاقي يحن، أو إنسانية ترأف؟.

هذه السنوات هي التي علمت السوريين الفرق بين البيت والفندق، كل هذه البيوت التي نستأجرها هي فنادق في قلوبنا مهما حاولنا المضي قدماً، وحدها تلك بيوتنا التي نملكها والتي بنتها عائلتنا  بسنين العمر والذكريات.