AP - رجال وأطفال أمام أحد المساجد في مصراتة، ليبيا. 26-10-2012

محمد سحيم يكتب: غير قابل للمزج والتهجين!

قُلت عن تيار الإسلام السياسي إنه لايصلح لإدارة الدولة الحديثة لأن عقيدته ومنهجه لايتسقان مع مهمة إدارة شؤون الدولة الحديثة، غايته رضى الله ووسيلته تحكيم الشريعة بينما غاية الدولة الحديثة من خلال حكوماتها هي سعادة الناس عبر معالجة الاستحقاقات وفق ما يمليه العقل وقلت أيضاً إن نجاح الكوادر الإسلامية في بعض الإدارات والحكومات لايصح اعتباره نجاحاً للإسلام السياسي لأن كل التطبيبات والتصحيحات والمعالجات التي أجرتها القيادات الإسلامية في بعض التجارب الموصوفة بالناجحة هي معالجات عقلانية وعملانية، لاتستمد قوانينها وأفكارها من نصوص الشريعة أواقتراحات الفقهاء بل من المخزون العلمي والخبرة العملية للإنسان.
 
قد يُعقب أحدهم على هذا القول ويعتبر أن نجاح التيار الإسلامي بواسطة اعتماد فروض العقل قد يخلق هجيناً يعتمد على قاعدتي "العقل والشريعة" ويُنتج قيادة إسلامية ودولة ناجحة وشعب يتجه نحو السعادة وتحقيق الذات، نموذج يخلط العقل والخبرة الإنسانية مع الدين؟
 
هذه الفكرة تنفي قولنا عن لا أهلية الإسلام السياسي في مهمة قيادة الدولة، أيضاً تدفع للتساؤل: ألا يمكن للهجين أن ينجح؟
 
هذا خلط آخر يجب فكه كي يستقيم الطرح!
 
أولاً: من المهم أن نعرف أن هذه الفكرة من بناتِ الأحلام والمثاليات التي يُقدمها بعض الرومنسيون الإسلاميون يُسميها البعض "الوسطية". لاتملك هذه الأحلام نظرية ولا واقعاً عملياً، أفكار لم تكن ولم توجد ولا تملك فرصة الوجود أمام النصوص الحادة والصريحة التي تنقض كل ما يخالف النص المقدس.
 
هذا الحلم لن يصمد أمام تحدي (إما العقل أو الشريعة) الذي لا تنفك النصوص الشرعية وخدامها عن إحضاره إلى الواجهة كل حين، ما إن يدخل العقل في احتكاك مع نصوص الشريعة فإنه سيسقط على أيدي الإسلاميين وسقطته الأولى ستفتتح مسيرة إبعاده تماماً لصالح التحكيم المطلق للشريعة والنصوص الدينية وآراء الفقهاء.
 
ثانياً: تيار الإسلام السياسي يعتمد -كما تخبر التجربة وأدبياته- على رفض طراز الحياة الحديثة واستبدالها بصيغته الخاصة القابعة في الكتب، القبول المبدئي ببعض مسوح المدنية والحداثة سيتم التخلي عنه لاحقاً بعد أن يشتد عود الإسلاموية السياسية وتتمكن من مفاصل الدولة، لاحظوا التدرج والانحدار من شخصية الإسلامي المتسامح إلى الأصولي القطعي الحاد خلال بعض التجارب الشخصية لبعض التلفزونيين من أبناء الإسلاموية فما بالك بالنظام كله!.
 
المعضلة التي تواجه قبول "الإسلاموية" في المجال السياسي هي أن الإسلاموي يملك مساراً لإزاحة كل شيء من سبيل الإستبداد الديني، النصوص والاجتهادات صريحة في رفض كل الأفكار واعتبار أن المهمة السياسية للمسلم ليست أكثر من استحواذ وتبديل تام لكل شيء وإحلال للنموذج المقدس محل النموذج المدني الإنساني، المزيج الذي ينتهي إلى سيطرة أحد الممزوجات لايعد مزيجاً على الإطلاق!.
 
في سبيل تحكيم الشريعة تنقسم المهمة الإسلاموية إلى زمانين ومرحلتين:
 
- الأولى "زمن ومرحلة التقية وإقناع الناس عبر إظهار الكفاءة".
 
كما جرى في التجربة التركية وفي أنحاء من إدارات ووزارات الإخوان في زمن حكم الإخوان في مصر وفي أنحاء من تجارب تونس والأردن والمغرب، تبذل الكوادر الإسلامية كل طاقتها وتسخر كل علومها الدنيوية في سبيل إبراز الفارق المنجز تحت إدارتها وتُسلط الضوء على كفاءة الجماعة وتحقيق غايات الناس الدنيوية، تختلف إنجازات حكومة أردوغان عن الآخرين لكنهم جميعاً في هذه المرحلة الأولى يبذلون قصارى جهدهم لإثبات الكفاءة ومعالجة الاستحقاقات المُشرَعة.
 
- الثانية "زمن ومرحلة التمكين وتحكيم الشريعة واستبدال قوانين الأرض بقوانين السماء".
 
بعد أن تُحقق الجماعة الإسلاموية شعبية وسمعة بين الناس بسبب قيامها بالمعالجات العقلانية اللازمة اعتماداً على العلوم والخبرة الإنسانية، تستثمر الجماعة هذا الزخم والموافقة الشعبية في سبيل تحويل شكل الدولة من "مدنية حديثة" إلى "إسلامية" وعلى هوى ما يجريه أردوغان اليوم في تركيا من انقلابات على الإنجازات المدنية تقوم الجماعة الإسلامية باستبدال كل ما أنجزه العقل بقواعد أخرى قادمة من فروض الشريعة!.
 
الإسلام السياسي إحلالي، مهمته إزاحية، فور أن يدخل إلى السلطة فإنه يسعى إلى استبدال كل شيء "القوانين وطراز الحياة" يحولها إلى ما يشبه الصيغة الخيالية المقدسة التي تجتهد الأذرع الإعلامية الإسلاموية في تسويقها عبر كل وسيلة إعلامية متاحة.
 
المزج بين الإسلاموية وأي صيغة أخرى لن ينتج عنه إلا (تحكيم تام للشريعة) وعلى هوى الوصف الرديء الذي قاله الرئيس المصري السابق محمد مرسي:
 
"Gaz and alcohol don't mix"