صور مركبة لمدخل مدينة اللاذقية - منذر مصري

منذر مصري يكتب: سوريا.. سلم إلى الجنة!

تستقبلك عند مدخل اللاذقية، كتيبة الشهداء، أفرادها من مختلف الرتب، من لواء إلى ملازم شرف، ومن كافة صنوف الأسلحة، ينتشرون من أعلى التل إلى أسفله، حتى الرصيف، ببزاتهم العسكرية وكامل عتادهم الحربي، وكأنه مازال على عاتقهم مهمة حراسة بوابة المدينة.

وكذلك عند مداخل القرى القريبة والبعيدة، تنتصب لوحات جماعية كبيرة لشهداء القرية. ولكن مع الوقت، يتكاثر الشهداء، وتصير اللوحة ناقصة، حتى إنها، نتيجة الشمس والمطر والريح، وتراكم السنين، تبلى، وتزول، ولايجري تجديدها.

أما الصور الفردية، التي تعلق على شرفات البيوت وأعمدة الكهرباء والهاتف، فيحافظ عليها من قبل أهالي الشهداء أنفسهم، كيف لا.. وهي مصدر فخرهم واعتزازهم.

اللاذقية مدينة الشهداء. ليس شهداء ريفها وجبلها فحسب، كما يخال للبعض، بل شهداء أحيائها القديمة والجديدة معاً. كتب أحدهم على صفحة (نعوات لادقانية):"لو رغب أهالي مشروع الصليبة أن يقيموا مسلة لشهدائهم، لزاد ارتفاعها عن مسلة معرض دمشق الدولي".

سوريا كلها كلها، وطن الشهداء.. شهداء الأطراف والطوائف والمناطق جميعها.. سوريون وغير سوريين، وجدوا في سوريا، التي تحرق وتهدم وتكاد تغرق بالدم، سلماً إلى الجنة.

وكأنه منذ زمن، تُحضّر سوريا، ويجري إعداد السوريين، لمصير كهذا. ليس فقط، يطلق على مدارس سوريا برمتها، أسماء الشهداء، مع لوحة مؤطرة، تعلق قرب باب الإدارة، لصورة الشهيد، ونبذة عن حياته، واستشهاده. بل أيضاً، جعل الشهادة، فكرة تربوية محورية في مناهج التعليم.

وكأنها لشدة بلاغتها.. بات الكثيرون يظنونها آية قرآنية أو حديثاً نبوياً شريفاً، مقولة:"الشهداء أكرم من في الدنيا، وأنبل بني البشر".. حتى أنها وردت في كتاب (الاجتماعيات) الذي أعده الائتلاف الوطني السوري المعارض، وطبع منه 19 ألف نسخة!؟.

تتكرر العبارات التي خص بها خطاب السوري، الإعلامي والتربوي، فكرة الشهادة، ودائماً معظماً ومكرماً ومشجعاً، منها وهي أكثر بكثير من أن تحصر:

-"لنكرس الاستشهاد كقيمة عليا في المجتمع.. هو القاعدة الأساسية والتي لا غنى عنها، ولا بديل له في حماية الوطن".

-"الشهيد وجد حياته في حياة الآخرين، ورأى وجوده في وجود الآخرين، فلنمجد الشهادة.. ولتكن طريقنا عندما ينادي الوطن".

فكرتي هي، أنه يمكن فهم هذا بكونه تمهيداً للأسلوب الذي سينتهجه النظام السوري في مواجهة من خرجوا عليه في آذار 2011. لأنه هذه المرة، احتاج (الشهادة) أكثر بكثير من أي يوم مضى، أكان ذلك في حربه مع إسرائيل 1973، أو أحداث الثمانينيات، التي اعتبرت تدريباً بالسلاح الحي، لما تعيشه سوريا اليوم:

-"...شهداؤنا الذين أنبتت دماؤهم أقحواناً في الربيع والصيف، عندما استبدلت فصول الإزهار والإثمار بفصول المؤامرة والقتل".

-"...أبناء وبنات الشهداء الذين قرروا أن يسيروا على درب آبائهم ويلتحقوا بالقوات المسلحة ويحملوا بندقية على نفس النهج".

-"...ونبل هذه الرسالة لا يشمل فقط الشهيد الذي حملها وإنما يمتد ليشمل كل من حملها بعد استشهاده. وبكل تأكيد أكثر إنسان قادر على حمل هذه الرسالة هو فرد من أفراد عائلة الشهيد".

-"...عندما نلتقي بابن شهيد انتسب إلى القوات المسلحة ليسير على نفس النهج، بكل تأكيد سيكون الشرف في تلك الحالة مضاعفاً".

من هذا تأتي فكرتي الثانية، وهي أنه، خلاف، ما كان يتوقعه معارضو النظام السوري، والكثير من المحللين السياسيين، من أن تزايد عدد (شهداء) النظام، أكانوا جنوداً في الجيش السوري، أم متطوعين في القوات الرديفة، سيؤدي إلى حالة من التململ والتراجع عن الموالاة، ربما تصل إلى المعارضة!؟. الأمر الذي يبدو وكأنه منطقي، وطبيعي. أن يشعر بالخسارة والحزن وأيضاً بالغضب، من فقد فرداً من عائلته. ولكن السؤال، الذي غالباً، ما يتم التهرب منه، أو يقلل من أهميته: "هل لديهم خيار آخر.. بديل.. يؤمنون به ويأمنون له؟".

أقول، خلافاً لهذه التوقعات، والتمنيات، حتى بوجود ظاهرة تهرب المطلوبين للخدمة الإجبارية أو الاحتياطية، فإن ما نتج عن ذلك واقعياً، هو تعزيز الرابط العضوي بين النظام والفئات الموالية له، لا بل توسع هذا الرابط إلى الفئات غير الموالية، ذلك أن فقدان أب أو ابن أو أخ، يؤدي إلى إقامة رابط دموي بين أهل الشهيد وبين القضية أو الشخص الذي استشهد لأجله. يوماً لم ألتق أباً يقبل بأن موت ابنه كان هباء، دفع حياته مقابل لاشيء!؟ وبأنه ليس شهيداً، حياً عند ربه يرزق، ومآله جنة الخلد. أنا نفسي الذي لا أؤمن بفكرة الشهادة، وتشقيني كل مرة رؤية نعوة شهيد، لايمكنني، ولايحق لي، قولها له..