AP - أطفال ليبيون يدرسون القرآن في مسجد بمدينة بنغازي / أرشيفية.

محمد سحيم يكتب: أغلوطة نجاح تيار الإسلام السياسي!

أسلفت أن الإسلاموية، التي وسيلتها وغايتها من السياسة وقيادة الدولة "تحكيم الشريعة لنيل رضى الله" لاتصلح نظاماً أو قاعدة لسن القوانين اللازمة لإدارة الدولة الحديثة وتنظيم عيش الإنسان المعاصر؛ لأن المهمة "إدارة الدولة" في مقابل "الغاية والأداوات الإسلاموية" لاتربطهما علاقة ولا يعملان ضمن نسق ومجالٍ واحد، الدين يضبط العبادة وتفاصيل أدائها ولا يمكنه إدارة الدولة الحديثة، قلت إن الأمر أشبه بإشراك لاعب الغولف بمضربه في مباراة كرة القدم، في أثناء هذا القطع الحاد بعدم قدرة الإسلاموية على تسيير دولة حديثة وتحقيق الاكتفاء والسعادة للمواطنين.

 قد يخرج معترض ومستفسر رافعاً مثالاً حياً على نجاح بعض الأحزاب الإسلامية في تونس والأردن والمغرب ومصر وتركيا، في تقديم كوادر وقيادات يشهد لها المعارض والمحايد بالأداء الجيد وحسن الإدارة أو في أضعف الأحوال، أنها كانت "أفضل الموجود.."، ألا تبدو هذه التجارب رداً على القول بعدم قدرة "الإسلام السياسي" على الإيفاء بمهمة تسيير وإدارة شؤون الدولة؟ هذا السؤال مُهم في جانب فك إشكال الفهم وتأكيد فكرة "لا أهلية الإسلاموية" على إدارة الدولة الحديثة.

نجاح بعض القيادات الإسلامية في إدارة بعض الوزارات أو الإدارات في بعض الدول لايمثل نجاحاً للإسلام السياسي وفقاً للأسباب التالية:

  • الشخص المختص في العلوم التطبيقية والإدارية والإنسانية، الذي يستعمل معارفه تلك في تسيير قطاع أو إدارة ما ليس نجاحه دليلاً على نجاح أو إمكانية نجاح "تحكيم نصوص الشريعة" هذا الخلط هو أول خطوات الانزلاق في هذه الأغلوطة.
  • الشخصيات الإسلامية في تلك التجارب "نجحت" إلى حدٍ ما في مهامها ليس ضمن نظام إسلامي "يُحَكِّم الشريعة" بل ضمن أنظمة علمانية أو براغماتية لا إسلامية تترصد الغايات بالعقل لا بالنص الشرعي.
  • المعالجات التي رفعت من مستوى الأداء وخفضت من مستوى الإخفاق لم تعتمد على نصوص الشريعة وأقوال الفقهاء في إجراء تطبيباتها بل التزمت بالمنهج العملاني لإجراء المعالجات الموضوعية المستمدة من العلوم التطبيقية والإدارية.
  • القيادات الإسلامية تلك، بلغت مراكزها وفق اعتبارات موضوعية أكبرت التخصص والخلفية العلمية والعملية لكل قيادي، وهو مبدأ عقلي عالج الاستحقاق باختيار الكفاءة البشرية المناسبة والمؤهلة مَعرفياً وعملياً، فالشريعة والآيدلوجيا الإسلاموية لا مكان لها هنا في زيادة الكفاءة أو صنعها.
  •  اختيار المهندس الإسلامي المتخصص (س) لإدارة القطاع بدلاً عن الداعية (ص) المختص فقط في العلوم الشرعية، هذا الاختيار في حد ذاته هو تعامل (عملاني) و(عقلاني) يُحسب للعقل ومنهجه وليس للشريعة وآيدلوجيا تحكيمها، وإليه يرجع الفضل في نجاح بعض الإدارات الإسلامية، مُستقبلاً -كما تُخبر التجربة وأدبيات المنهج الإسلامي- ستغير الجماعة الإسلامية أولويات العمل وسن القوانين حين تنتقل من مرحلة (الإقناع بالكفاءة) في زمن ما قبل التمكين إلى مرحلة فرض قوانين ومنهج الشريعة في زمن التمكين!

بعد هذا الطرح، لنسأل بعض الأسئلة التي تساعد في فك الالتباس:

- هل نجاح القيادي "الإسلامي" العامل ضمن نظام علماني أو برغماتي يُعتبر نجاحاً للأسلوب "العقلاني" أم نجاحاً للفكرالإسلاموي الراغب في تطبيق الشريعة؟.

- هل الإسلاموية وآيدلوجيتها الراغبة في تحكيم نصوص الشريعة يُحكم على نجاحها وإخفاقها من خلال تقييم أداء بعض الأفراد المتدينين والمؤهلين علمياً، العاملين في النظم العلمانية، أم تُختبر في الدول التي حُكّمت فيها الشريعة الإسلامية فعلاً لا تمنياً؟.

يبدأ التزييف حين يلتزم الكادر الإسلاموي بالمبادئ والوسائل العقلانية العملانية ويحرص على النجاح في مهامه وعدم الوقوع في سقطات الفساد والمحسوبية ثم يعزو نجاح مهمته إلى نجاح خطة الإسلام السياسي في إدارة الدولة! اعتبارهذا النجاح إثبات لأهلية التيارات الإسلامية في قيادة الدولة الحديثة، هو تدليس تخبرنا التجربة أنه مرحلة أولى يخوضها الإسلاميون في سبيل الوصول إلى التحكيم الكلي للشريعة وتغييب العقل، في البداية إظهار التفوق من خلال تبني النتائج المتحققة بفعل قوتي العقل والتخصص العلمي، ثم تسير الجماعات الإسلامية من مرحلة وزمان "التُقية والإقناع بالنتائج" إلى مرحلة وزمان "التمكين" الذي تبدأ فيه الجماعات الإسلامية في الانسلاخ تدريجياً من مهمة "تحقيق سعادة الناس" إلى إعلان غايتها الصريحة "رضا الله" وتستبدل تحكيم العقل بتحكيم الشريعة.