AP - باعة متجولون في سوق شعبي بجانب مسجد القرمانلي بالمدينة القديمة، طرابلس - أرشيف.

محمد سحيم يكتب: بالعقل نُشغل المصنع وبالشريعة نضبط العبادات!

أخشى من الثقة المفرطة في الآراء كما أني لا أثق في إمكانية إصدار رأي حكيم تحت الشمس والأجواء الحارة ونسب الرطوبة المرتفعة أو ممن يقضم العجز جزءاً كبيراً من الرقم الذي تفرضه احتياجات الحياة الكريمة لديهم، لكن رغم كل ذلك تسابقنا ونتسابق في تصدير وإصدار الآراء ووجهات النظر وأحياناً كانت وجهات النظر تصدر تحت دوي الانفجارات واشتعال المحاور وصيحات ضرورة إخلاء المنطقة.

بعيداً عن كل الظروف التي وصفتها بالمانعات من إصدار الرأي الحكيم، جلست فترةً طويلة أفصص شأن (الإسلام السياسي والإسلاموية) ووجدتني بعد جهد والتزام أصل إلى نتيجة ربما حان الوقت إلى اختصارها على نحوٍ مبسط في مقالٍ مقتضب..

جُل الأفكار والتنظيمات والآيدلوجيات السياسية القائمة والغابرة أو القابعة في غرف الإنعاش تخاطب جموع الناس بفكرة أولية واحدة تقول "هدفنا سعادة الناس".

التنظيمات والآيدلوجيات ذاتها تدّعي علناً أو ضمناً أن وسيلتها إلى صنع السعادة والاكتفاء والنجاح يتحقق عبر إعمال العقل في السبيل لبلوغ الغاية.

اقتفاء هذا الهدف بهذه الوسيلة هو مانشاهده دائماً حين يقف أحد المسؤولين في دولةٍ ما ويتكلم بالأرقام ويعرض خطته "العقلانية من وجهة نظره" للتعامل مع أرقام هذا الاستحقاق، هو يرى أن مهمته تقضي بالتعامل مع هذا الاستحقاق عبر وسائل تعتمد على إخبارات العقل، الأمر الذي ينتج عنه تحقيق الاكتفاء بدرجة ما وتحقيق السعادة بخطوةٍ وكيفيةٍ ما، جُل الآيدلوجيات والنظم الفكرية والسياسية لاترى بديلاً للعقل في سبيل تحقيق الهدف "سعادة الناس".

ما يجري من تباينات واختلافات بين الاشتراكي والرأسمالي أو بين الاجتماعي والتقدمي أو بين المحافظ والعمالي لايخرج عن حدود إكبار منهج محدد على منهج آخر، فكل جماعة أو آيدلوجية ترى أن منهجها أكثر كفاءة في مهمة إيصال الناس إلى السعادة والاكتفاء عبر الاعتماد على بوصلة العقل، كلهم لايختلف على الهدف!

الإسلاموية أو الإسلام السياسي يظهر هنا أنه لايصلح أبداً أن يكون منهجاً أو فكراً مناسباً لإدارة الحكم "ليس القطع مناكفة أو وفق هوى ومزاج" بل تبعاً للاختلاف والتباين البنيوي بين المهمة السياسية والإدارية والطبيعة الوظيفية لما يبدو عليه العمل والفكر والتنظيم الإسلامي.

خلافاً لكل الآيدلوجيات والتنظيمات السياسية التي ترى وتعلن أن غايتها هي سعادة الإنسان ووسيلتها هي إكبار العقل على كل ما سواه، يرى الفكر والتنظيم السياسي الإسلامي أن غايته هي "رضى الله" ووسيلته هي اتباع الناموس الديني "النص عند السنة و المرجع الفقيه عند الشيعة".

هنا لاتبدو التحديات المشرعة أمام السياسي الإسلامي إلا وسيلة لبلوغ رضى الله وليس تحقيق سعادة الإنسان، ووسيلته نحو تحقيق رضى الله -لاسعادة الإنسان- تعتمد على "النص الشرعي" ولا مكان للعقل هنا في مهمة تحكيم الشريعة!.

ينتج عن هذا الأمر أن يتحدث الاقتصادي عن أزمة المصارف والسيولة والسُبل العلمية المعتمدة على العقل لحل الأزمة أو إدارة القطاع بينما يرى السياسي الإسلامي الأزمة من زاوية رفع السخط الإلهي أو عرض كل حل اقتصادي مطروح على ميزان الشرع والنص المقدس!.

إذا كان الحَل الذي يفترضه العقل لحل الأزمة الاقتصادية يخالف الشريعة، ماذا سيفعل الإسلامي السياسي؟ سيضرب بالحل عرض الحائط، هذا ما سيُجريه في كل مناحي الحياة، سيبحث عن رضى الله عبر تحكيم النصوص الشرعية وسيعترض على كل شيء يخالف قالبه الديني، هنا تُهدر مصالح الناس وتتفرغ الإدارة السياسية من محتواها لتصبح شيئاً آخر أشبه بإدارة جامع أو مركز إسلامي!.

الإسلاموية التي تهدف إلى رضى الله عبر تحكيم وفرض النصوص المقدسة تصلح لإدارة المساجد والمراكز الإسلامية ولاتصلح لإدارة الدولة، كما أسلفت، ليس الأمر نكاية أو مناكفة للإسلاميين لكن هدف حركاتهم ووسيلتهم لبلوغ ذلك الهدف تختلف عن غاية أنظمة الحكم السياسية والإدارية.

الإصرار على صلاح هدف الإسلاموية ووسيلتها "رضى الله عبر تحكيم الشريعة" أشبه بالإصرار على نجاعة إشراك لاعب الغولف بمضربه في مباراة كرة القدم، الأدوات والغايات متباينة وكلها تحتاج غايات مختلفة أو وسائل مختلفة لبلوغ الغايات المرجوة.

اقتصادات بيع البترول تُشوش الرؤية والصورة في عيون الناس عبر تصوير مهمة الاقتصاد أنها مجرد مهمة إدارة وتقسيم وصرف عوائد البترول، الأمر الذي يَسهل معه اعتماد أي منهج أو فكر حتى وإن كان عبثياً كالسائد في أغلب دول الاقتصادات البترولية، أما حين تتحول القضية من مجرد اختلاف على سُبل صرف الثروة إلى استحقاق إنتاج الثروة فستجد هذه الأمم نفسها أمام خيارين، إما إكبار العقل واتباع فروضه، أو العيش في جامع أو مركز إسلامي بحجم الوطن حتى ساعة الالتقاء بالله للتأكد من أنه راضٍ عن حياتنا تلك التي عشناها وفق ضوابط النص المقدس لا وفق ما يفرضه العقل!.

"ليس ثمة سلطة تعلو فوق سلطة العقل، ولا حجة تسمو على حجته"
- سيغموند فرويد.