AP - طفل سوري في مخيم للاجئين شرق بعلبك/ لبنان.

نسرين علاء الدين تكتب: حكاية من الخيم المحروقة

تُعرّف الاتفاقيات الدولية اللاجئ و تفند واجباته وحقوقه أينما حلّ، لكن هذه الاتفاقيات لم تتخذ من الخيمة وطناً، تتركها عرضة للحريق الصيف وتجمد الشتاء، ولم تقف الاتفاقيات صفاً طويلاً للحصول على كيلو غرام من العدس البُنّي تحتار الأم كيف تحتال وتحوله لنوع من أنواع الكباب العجيب، ولم تُحك من البطانيات الرمادية "بيجاما" ورادء نوم دافئ، لم تكسر نظرها وهي تقف على أبواب إحدى المستشفيات بسبب نقص الأدوية المعطاة.

منذ أكثر من خمس سنوات؛ والسوريون في حالة نزوح ولجوء دائم، أُغلقت في وجوههم الطرقات، وتاهت بهم السبل في البحار.

خيمة وطن

تتوقف سيارات الدفع الرباعي الحديثة أمام باب خيمتها، تستقبل الضيوف، ترسم ابتسامة الادّعاء بالأمل، اكتسبت ليلى صفة لاجئة في عام 2013، فبعد دخولها إلى الأراضي اللبنانية بثلاثة أشهر؛ لم تعد المدرسة التي استضافتهم قادرة على استيعابهم أكثر، لتُلفظَ مع أبنائها الثلاثة وجدهم العجوز.

تجد ليلى نفسها تحت سقف خيمة، قسمتها لغرفة وصالون (كما تحب أن تسميه)، وعلى طرف الخيمة أقامت مطبخها المؤلف من طاولة و"مشكلية" تضع على رفوفها عدداً من الصحون والأكواب المعدنية وفناجين قهوة غير متشابهة، وخصصت زاوية تتسع لشخص واحد يستحم على الواقف، ولقضاء حاجتهم؛ أقامت المفوضية مراحيض للنساء وأخرى للرجال.

تقطع ليلى المخيم يومياً خمس مرات لتحضر حاجياتها من خبز وماء للشرب وجلب الخضروات، وتوصل الأولاد الى خيمة المدرسة، لا تملك من منزلها سوى صورة قديمة كانت على جهازها المحمول يوم هربت، لكنها لا تمل من إظهار هذه الصورة لكل زائر تطأ  قدماه خيمتها، لتؤكد أنها لم تكن مشردة أو متسولة، لكنها خرجت بحثاً عن الأمان، واليوم احترقت الخيمة، وصارت هي الأخرى ذكرى نجى منها عدد قليل من الاسفنجات.

لا تشكل ليلى وأبناؤها سوى رقم قد يزيد أو ينقص في قوائم المفوضية العليا، لكنه لن يشكل فرقاً، فأطفالها لليوم محرومون من التعليم، وهي تعمل في الحقول المجاورة كي تدفع إيجار استجرار خط كهربائي لخيمتها وتكاليف طعام ومازوت.

لا يُعتبر السوريون، عند البعض هناك، ضيوفاً مرحباً بهم في الأراضي اللبنانية، حيث اشتدت هذا العام الحملات المطالبة بترحيل اللاجئين، سواءً على صفحات الصحف، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى من قبل سكان ورؤساء عدد من البلدات والقرى اللبنانية.

هل نعود؟

يتخوف السوريون من التصعيد الحاصل في لبنان، لكن السؤال يبقى الى أين نلجأ؟

يراقب أسعد شاشات التلفاز التي تتحدث عن عودة عدد من العائلات السورية إلى منطقة القلمون بشغف كبير، ولا يسمح لأحد بتغيير القناة. نزح أسعد من منطقة الزبداني، ويتمنى العودة اليوم قبل الغد إلى بلدته. يقول: "أنا أول شخص سيعود إلى الزبداني عندما يسمحوا لنا بالعودة، صحيح أن منزلي تهدم ولم يتبق منه شيء، لكني سأعود وأنصب خيمة فوق الدمار، المهم  أن أعيش بكرامتي."

متضامنون

يحاول عدد من الفنانين والمثقفين والناشطين اللبنانيين التخفيف من حدة الاحتقان، الحاصل بعد ازدياد الاعتداءات على اللاجئين السوريين المتواجدين على الأراضي اللبنانية، من خلال إصدار بيانات تضامن، وكذلك يطلب النشطاء السوريون توقيف التصعيد على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفين أن وضع اللاجئين يتحول من سيء إلى أسوأ، ولن تفيد الشتائم سوى باحتدام الموقف.

اعتداءات بالجملة

أيام قليلة فصلت بين جريمتين بشعتين وقعتا بحق لاجئين سوريين، حيث قتل تركيان سيدة سورية مع طفلها بعد أن قاموا باغتصابها بداية شهر تموز/ يوليو الجاري، وبعد يومين؛ قتل أردني طفلاً لم يتجاوز السبع سنوات من عمره بعد أن اغتصبه.

اعتداءات كثيرة تعرض لها السوريون بقيت ضمن جدران الصمت، فلمن يشتكي السوريون وإلى من يلجؤون؟.

أن تكون سورياً لاجئاً؛ هذا يعني أن البحر ابتلع المئات من أبناء بلدك في محاولة لتحلية مياهه، وقرباناً لشواطئه. 

أن تكون لاجئاً سورياً؛ يعني أن شمس الصحراء لوحت جبينك ولصوصها وثقوا قيدك ووضعوك في عربات الموت من أجل الوصول إلى شاطئ الموت.

أن تكون لاجئاً سورياً؛ يعني أن السماء باتت وطنك الوحيد، وهناك فقط يُسمح بلم شملك ورؤية أحبابك.