إحدى الجدران التي رسم عليها في محافظة اللاذقية - منذر مصري

منذر مصري يكتب: ثورة جدران!

طوفان جارف من البقع والخطوط والألوان، كانت تشكل بالنسبة لي مشهداً بصرياً مفعماً بالأحاسيس والمعاني، أكثر مما كانت تقوله كلماتها القليلة وعباراتها المكررة: (يسقط.. حرية.. ثورة..الشعب..)، التي ما أن تكتب ليلاً، حتى تأتي دوريات الأمن فجراً وتغطيها بالقار الأسود، وإن لم يتوفر الأسود، فلا بأس بأي لون، المهم ألاّ يظهر منها طرف، دون أن أنسى قولاً لصديقي ماهر ابو ميالة: "من يتحكّم بالكتابة على الجدران، يتحكّم بالبلد".

لأشهر عدّة، كان المسيطرون، أو شبه المسيطرين، على جدارن اللاذقية، ثلّة من شبان هذا الحي أو ذاك، لكن السيطرة الفعلية، النهارية، العلنية، بقيت دائماً في يد السلطات الأمنية، التي عندما شعرت بالراحة، وبدأت تستعيد أنفاسها، وخاصة بعد نجاحها بمنع التجمعات في الساحات والتظاهرات الكبيرة منها والصغيرة، وإخماد المواجهات المسلحة في حي الرمل الجنوبي، وإخراس قرع الطناجر وصيحات التكبير ما بعد صلاة العشاء. أعادت، وإن ليس على عجل، طلاء هذه الجدران بالأبيض، ثم بألوان العلم السوري، الأحمر والأبيض والأسود، بعينيه الخضراوين، وبعد ذلك راح بعض من الشبان والشابات ينفذون رسوماً تزيينية بألوان بهيجة وشعارات جميلة، تغطي العديد من الجدران، وكأنها رسالة للجميع، بأن كل ما عانته سوريا قد انتهى!؟.

1- الكتابات المطلوسة:

بقدر ما كان صعباً تصوير ما كتب على جدران وأسوار حدائق وبوابات مدارس اللاذقية، ليس لخطورة التصوير والاحتفاظ بالصور فحسب، بل للسرعة القصوى التي كانت تطلس بها؛ فإن الأصعب نشر بعض منها الآن. لذا سأكتفي بالصور التي يمكن للقارئ، بقليل من التدقيق في الصور التالية، معرفة التبدلات التي طرأت على عدد من الجدران ذاتها.

2- تحولات الحرية

تحولت الحرية، الكلمة الأشد تكراراً، بعد طلسها، مرة إلى شبح..، ومرة إلى غول مخيف..، ومرة إلى طائر فينيق.

3- سوريا تبكي

هذا الرسم  يذكرني بسلسة لوحات (نساء باكيات) للرسام الأشهر بابلو بيكاسو، التي رسمها خلال تحضيراته للوحة (غرنيكا- 1937). ودون أي مبالغة أعتبر هذا الرسم لا يقل قيمة فنية عنها، رغم أنه مرسوم كما يبدو من قبل مجهول، بالقرب من مقبرة المغربي. ولا أدري لماذا لا أحاول نزعه ووضعه في بيتي!َ.

4- كتابات مطلوسة ومكتوب فوقها:

لم يُكتف بطلس الكتابات، بل خطّت بعض الكلمات فوقها..

5- مواجهات على الجدار

وكأن البقع السوداء للكتابات المطلوسة، تظهر لنا المواجهة الشرسة التي كانت قائمة. 

6- التحولات

ترى كيف انتقلت الجدران ذاتها، من الحرب (بقع سوداء) إلى السلام (طلس بالأبيض) إلى.. الأمور مستتبة (العلم السوري، أو أعلام سورية مستفة على طول الجدار)، إلى سورية جميلة بكل مافيها (ألوان وصور)، حيث يتم تزيين أحياء معينة في مدينة اللاذقية (الصليبة- حارة علي الجمال- الرمل الجنوبي – الدعتور- قنينص)، بما كتب أنه مبادرة شبابية لتعزيز التضامن المجتمعي وقبول الآخر، وبتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي(UNDP) . سألت رجلاً وقف وراقبني وأنا ألتقط الصورة، ماذا تعني له رسوم كهذه؟. أجابني: "دعنا صامتين أفضل".

       

 وبما أنني اعتمدت هذه المرة أسلوب (الصورة) في روايتي لهذا الجانب من الأحداث التي جرت في اللاذقية، منذ بدايتها إلى ما آلت إليه اليوم. فإنه يحقّ للقارئ، ومن الأفضل أن أقول، للمشاهد، أن يستنتج بنفسه، من خلال تحولات وتبدلات هذه الصور.. العبرة الأخيرة لما حصل..