Oultre - ليبيا تبحث عن الدولة المدنية.

علي العسبلي يكتب: بنغازي إلى العدالة والمصالحة بعد التحرير

وأخيراً انتهت الحرب بكل ويلاتها ومآسيها في بنغازي عاصمة برقة وثاني أكبر مدن ليبيا بعد سنوات من القتال والدمار والدم -أو على الأقل هذا ما نأمل- وهذا ما قاله القائد العام في خطاب التحرير ببزته العسكرية البيضاء لتنتهى مع الحرب تلك الجماعات المتطرفة ومن تحالف معها، وانتهت حجة الإرهاب وذريعة الإرهابيين التي طالما تمت المتاجرة بها واللعب على وترها، ولكن ماذا بعد التحرير؟

لا شك أن الحرب في بنغازي على مدار السنوات الماضية خلفت دماراً في العمار والبنية التحتية والمنشآت الحيوية والتعليمية والخدمات الأساسية، ولكن وقبل كل ذلك خلفت الحرب دماراً كبيراً في الأنفس والنسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، فمن يقاتلون ليسوا بملائكة منزهين عن الخطأ، كثير من الانتهاكات وقعت من الطرفين، ونزح وهجر الكثير بغير وجه حق، وسجن وخطف بل وقتل آخرون ظلماً.

قد يقول قائل إن إعادة الإعمار هي أولى الخطوات بعد التخلص من المتطرفين الذين عاثوا في الأرض الفساد، وأهلكوا الحرث والنسل، ودمروا أو دمرت بسببهم أحياء ومناطق كاملة، ولكن في رأيي إن إعادة إعمار الإنسان إن جاز التعبير هي الأولوية إلى جانب إعمار البنيان، و يا ليت سماسرة الحروب يتسابقون على صفقات إعمار الإنسان كما يتسابقون على صفقات وعقود إعمار البنيان!

إن عودة النازحين والمهجرين في الخارج والمنفيين قسراً إلى منازلهم ورد المظالم إلى أهلها خطوة أساسية للبدء في عملية رأب الصدع وإصلاح ما أفسدته الحروب، ليس النازحين والمهجرين بعد "حرب الكرامة" فقط، بل حتى أولئك الذين هجروا جراء "حرب فبراير" وما قبلها من مسميات، وبغض النظر عن السبب الذي هجروا لأجله، وبغض النظر أيضاً عن عرقهم أو أصلهم أو حتى دينهم، كل من يرغب في العودة إلى الوطن يجب أن يكون موضع ترحيب، حتى المذنبين أو المجرمين منهم، يجب أن يعودوا إلى المحاكم والقضاء ويقدموا إلى العدالة فهي التي ستتخذ فيهم الحكم المناسب.

مئات في السجون دون تهم ومن غير محاكمة، مختطفون ومحجوزون ومفقودون ومختفون قسرياً، أقل ما يستحقونه إخبار أهاليهم عن أماكن احتجازهم، وأن يحولوا إلى النيابة والمحاكم ويتم تعيين محامين لهم، وإلا فلما لا يتم إطلاق سراحهم، إذا لم تثبت ضدهم أي تهمة، وهنا لا ندعو إلى العفو أو مسامحة المجرمين، إنما ندعو إلى أن تأخذ العدالة مجراها.

نشر ثقافة السلام ونبذ العنف بعد كل هذه السنوات من الحرب ليس بالأمر الهين ولكنه ليس بالصعب كذلك، الجميع تقريباً أدمن على رائحة البارود، وصار لا ينام إلا على سيمفونية أصوات المدافع والطائرات، وبات يتلذذ برائحة الدماء، ويمتع ناظريه بمناظر الأشلاء، الأطفال والنساء الكل متضرر، ولكن المقاتلين هم أكبر المتضررين، فمن لم يمت أو يصب بندوب وعاهات مستدامة، سيعيش مع وضع قد يجعل منه خطراً حقيقياً على المجتمع، العلاج النفسي لما بعد الحرب، أمر مهم ويجب أن يشمل الجميع، الأطفال قبل الكبار والمدنيين قبل العسكريين.

الابتعاد عن عقلية الانتقام والحقد والتطرف والإقصاء فهي لا تخلف إلا الدمار والخراب ومزيداً من الاقتتال، بينما التسامح والعفو والاحتواء وخاصة عندما تكون منتصراً وفي موضع قوة، من شيم النبلاء وسيجعل حتى ألد أعدائك ينحني لك احتراماً.

بنغازي مثال ليس بالصغير، بل مثال كبير يجب أن يحتذى به في كل مدن ليبيا، فكما نهضت بعد الحرب العالمية الثانية من وسط الأنقاض ومن بين الركام ومن تحت الرماد، ستنهض مرة أخرى أقوى مما كانت وستكون نموذجاً للمصالحة وللتعايش بين الجميع وبالجميع، بدون إقصاء أو تمييز، وستكون رمزاً للسلام والمدنية والرخاء رغم الجميع.