جوع - منذر مصري

منذر مصري يكتب: قارئة الفنجان وسارقة الجزدان!

لكل إنسان مصير، لكل شاعر قدر... قدر، علم من أعلام الشعر العربي كنزار قباني أن يكتب قصيدة (قارئة الفنجان) ويغنيها عبد الحليم حافظ، وقدر شاعر مشعور مختل الشعور مثلي أن يكتب قصيدة (سارقة الجزدان)، لا بل يحاول كتابتها فلا يتمكن من إنهائها.

ولكن يلح علي، قبل الدخول في موضوع قصيدتي، أن أخبركم مقدار استغرابي، من انعدام الحصافة والدقة الشعرية عند شاعر بسوية نزار قباني في قصيدة أخرى له: (رسالة من تحت الماء)، غناها أيضاً العندليب الأسمر: "إني أتنفس تحت الماء.. إني أغرق أغرق أغرق" إذ كيف يغرق المرء وهو قادر على التنفس تحت الماء كالأسماك!؟.

إنه جزدان زوجتي الثاني الذي تتم سرقته من محلنا في سوق التجار، ففي الأيام التي تسبق الأعياد، يعلم الجميع، لا يمكن منع السرقات. يزدحم الناس في الأسواق وداخل المحلات وكأنهم، دون أدنى مبالغة، في يوم الحشر. وذلك حتى الساعة الثانية والثالثة ليلاً. يجرجرون أطفالهم ويبتاعون لهم أحذية وثياب العيد. من يراهم على هذه الحال، لا يصدق أنهم الناس ذاتهم، الذين اكتووا بنار الحرب الدائرة في بلادهم منذ ست سنوات غير منقوصة، وفقدوا آباء وإخوة وأبناء.

شيء عادي، في نهاية كل يوم عمل، قبل الإغلاق، أن نجد، زوجاً أو زوجين من الأحذية البالية، تركها أصحابها جانباً، بعد أن انتعلوا أحذيتهم الجديدة وخرجوا دون أن يدفعوا ثمنها. لا مشكلة. ولكن الجزدان يحتوي، إضافة لمبلغ يعادل غلة المحل في ثلاثة أيام، متوجب دفعه لسداد فاتورات مستحقة الدفع، هوية زوجتي وبطاقتها النقابية، ومفاتيح المحل والبيت، وكذلك مفتاح سيارتي الاحتياطي. الشيء الجيد، الذي شكرنا السارقين عليه، أنهم رموا هويتها بجانب حائط الجامع الجديد، غير بعيد عن محلنا، مما أعفانا من واجب التبليغ عن سرقتها لدى قسم الشرطة ومراجعة لا أدري كم فرع أمن، للحصول على هوية جديدة.

أيضاً المتسولون في كل مكان، بعضهم، بدل أن تشفق عليهم تخاف منهم، رجال ونساء يتفنون بعرض إعاقاتهم، أو يتنقلون حاملين أطفالهم، شابات في مقتبل العمر، يتجولن بين السيارات عند إشارات المرور.. بائعة العلكة التي اعتدت أن أراها عند إشارة ساحة أوغاريت في اللاذقية.. الآن حامل.

شعور كريه ترفض الاعتراف به: "كم من السهل في ظروف كهذه، أن يضع الإنسان احترامه لنفسه جانباً ويتحول لشحاذ".

صديق.. عاد بعد غياب خمس سنوات، فاكتشف أنه يحتفظ في درجه بكمية من النقود المعدنية، لم يجد طريقة أفضل للتخلص منها، سوى بتوزيعها في ذهابه وإيابه إلى مقهاه المفضل،على المتسولين. لكنه سرعان ما أبطل ذلك بعد أن رأى نظراتهم، وخاصة إذا كان نصيب الواحد منهم ليرتين أو خمس أو عشر ليرات، فما عساهم يبتاعون بها، وسعر ربطة الخبز من أفران الدولة 50 ليرة سورية.. وكأنهم يسألونه: "هل أنت من أهل الكهف!؟".

قريب، أو صديق طفولة، يوقفك ويخبرك هامساً أنه محتاج. فإذا قلت له: "حسناً أعطني رقم هاتفك، وأنا أتصل بك". يسألك ملحاً: "..ألا تحمل الآن مبلغاً.. مهما كان؟". فهو يعلم أن هذه هي الطريقة المتبعة للتهرب. لكنه يستسلم ويعطيك رقم هاتفه الأرضي، سائلاً: "متى ستتصل لأكون في البيت"، تجيبه غداً مساء.. بالـتأكيد. نصيحتي هنا، إذا كنت تريد أن تعطه مبلغاً محدوداً، فمن الأفضل إعطاؤه له مباشرة، بحجة أنك لا تحمل أكثر. أما في الحالة الثانية، فالمبلغ يجب أن يكون وافياً حقاً. ذلك أنني يوماً فعلت، وأعطيت أحدهم، ما ظننته مبلغاً كبيراً، فإذ به ينظر لي بحسرة، ويقول: "سافر زوج ابنتي وتركها مع أولادها عندي"، أو "أخذوا ابني للاحتياط، وزوجته وأطفاله صاروا في بيتي.. والله أغلب أيام رمضان، أكلنا الخبز الحاف".

يقول أحدهم أمامي: "عندما قام الشعب السوري بثورة الحرية والكرامة أوصلوه إلى الجوع والتشرد.. أما ثورة الجياع.. فسوف لا تبقي ولا تذر".

للشعوب أيضاً مصائر وأقدار..وكأن قارئة فنجان الشاعر السوري نزار قباني كانت تقصد شعبه، وليس هو بالذات، عندما قالت:

"فنجانك دنيا مرعبةٌ

وحياتُكَ أسفارٌ وحروب"

ثم عندما أكملت له قراءة فنجانه قائلة:

"وطريقكَ مسدودٌ مسدود 
فحبيبةُ قلبكَ يا ولدي 
نائمةٌ في قصرٍ مرصود 
والقصرُ كبيرٌ يا ولدي 
وكلابٌ تحرسُهُ

وجنود"

فهي كانت تعني بحبيبة قلبه، حريته، وحلمه بحياة أفضل.

أظن هذا ما يعلمنا الشعر..