مصمتون - منذر مصري

منذر مصري يكتب: الصمت والكلام في التراجيديا السورية!

لطالما تم الحكم على الصامتين في النزاع السوري القائم، بأنهم أناس سلبيون، آثروا الحفاظ على مصالحهم، وعدم توريط أنفسهم، على أن يتخذوا الموقف الأخلاقي، الإنساني، الوطني.. المطلوب. حتى إنه وصل الأمر بالبعض إلى اعتبار الصمت جريمة ومعصية كبرى، مرددين:"الساكت عن الحق، شيطان أخرس".

ورغم أن صيحة (صمتكم يقتلنا) الباكرة، كانت موجهة لحكام الدول العربية وشعوبها التي لم تحرك ساكناً لنصرة من أطلقوها، إلاّ أنها، بالأولى، كانت تعني الصامتين السوريين قبل سواهم. الذين، لولا صمتهم، وبقاؤهم في بيوتهم، كما عبّر منظرو الثورة آنذاك، لسقط النظام وانتصرت الثورة السورية!.

ولكن أليس علينا أن نتوقف للحظة ونتساءل من هم حقاً هؤلاء الصامتون؟ الذين من الطبيعي أن يشكلوا أكثرية السوريين، فالاشتراك في الثورات والحروب بأشكالها المتنوعة، يقتصر دائماً على نسبة من الناس، مهما بلغ مقدارها، فإنها تبقى الأقل. وهنا يجب أن نلاحظ الفروق، غير المتوقف عندها غالباً، بين حالة الصمت، وحالة الحياد، أو الرمادي، رغم التداخل والتشابه الظاهري بينها، ذلك أن الصامتين، خلاف الحياديين والرماديين، يحملون مواقف محددة مضمرة، معارضة أو موالية، لا يعبرون عنها لأسباب مختلفة.

وإذا كانت أسباب صمت المعارضين داخل سوريا، وهم المعنيون هنا عموماً، معروفة، وبالتحديد في المدن والمناطق التي تقع تحت سيطرة النظام الذي لم يغير كثيراً أو قليلاً من طرائقه وأساليبه في التعامل مع معارضيه، وكذلك أطراف أخرى ظهرت على الساحة السورية تفوق كل ما سبق وعرفه السوريون خطراً وإجراماً، كما يمكن فهم صمت من يحيون خارجها، وخارج البلد كلياً، وإن لأسباب معكوسة، لأنه كما ذكرت من طبيعة الأمور أن يكون الصامتون هم الأكثرية دائماً، الذين لا علاقة لهم بالسياسة والمشغولون في تأمين معيشهم وشروط حياتهم الجديدة.

ولكن ماذا عن الصامتين الموالين!؟ مادام الوضع المحيط، يسمح لهم، لا بل يطالبهم بالتعبير عن موالاتهم!؟ وما دامت تعابير ومنابر الموالاة جاهزة ومتاحة، لماذا هم صامتون إذن!؟ ربما لأنهم هم أنفسهم أولئك الحياديون، الرماديون، الملعونون، فحيث الأبيض مع الوطن والأسود ضده، لا يوجد رماديون وطنيون، بل يوجد من حضنوا الإرهاب، وسمحوا للوحوش بالدخول إلى سوريا.

إذن.. كلا الطرفين، وبغض النظر عن ظروف التي تحيط بالصامتين مهما كانت، يدينان الصمت والصامتين، ويوجهان لهم الاتهامات التي ربما تفوق فظاعتها التهم التي يوجهها كل منهما لعدوه، وذلك بحجة أن مواقف الطرف الآخر واضحة، صريحة، معلنة، بينما مواقف الصامتين مُقَنّعة ومريبة!؟ أليسوا الخونة هم الذين خذلوا الوطن؟ الجبناء الذين خذلوا الثورة والشعب؟.      

خلافاً لكل هذا الشطط، تأتي شهادة الروائي السوري (فواز حداد) صاحب (السوريون الأعداء)، في مقابلته في موقع (رمّان) بتاريخ 22/4/2017:"أما صمت المثقفين الذين اضطروا، أو آثروا البقاء في الداخل، فقد كتبت مراراً عنهم، ووصفت صمتهم بالمقدس. لا أحد يرغب في أن يكونوا ضحايا مجانيين. إنهم يقفون في الخندق المعارض للنظام، يعانون ويدفعون الثمن مضاعفاً". إلاّ أن هذا بدوره يجعلنا نطرح بعض الأسئلة!. ماذا عمن لا يكفيهم الصمت؟، ماذا عمن يريدون أن يكسروا طوق الصمت ويقولوا شيئاً؟، وإذا كنا نتكلم عن المثقفين..الكتاب، ماذا عمن الكلام بالنسبة لهم هو معناهم، ومبرر وجودهم، فلم يتوقفوا عن الكتابة، رغم المحاذير ورغم المخاطر. ماذا عمن يريدون أن يسمعوا الآخرين هذا الصمت المقدس، عمن يريدون أن يكونوا صوت هؤلاء الصامتين. ماذا عمن يؤمنون بأن هناك ما يجب أن يقولوه للناس، من يرغبون بأن ينقلوا لهم الصور التي يرونها بأم أعينهم، من يتمتعون ببعض الجرأة لأن يرددوا بصوت عال ما يفكرون به، أن يعبروا عن رأيهم؟ أمحرم عليهم هذا؟ ليس وقته؟ غير مهم؟ ماذا عمن يجدون في أنفسهم الرغبة بأن يساعدوا سواهم في الاستمرار بالعيش داخل البلد؟ عمن يرون أنه من واجبهم الحفاظ على الحيز المشترك الباقي بين الجميع، ماذا عمن يعني صوته شيئاً لآخرين؟ فأنت بمقدورك ألاّ تصدق هذا عن نفسك، ولكن ليس بمقدورك أن تكذّب الآخرين. ماذا عمن يريدون أن يقولوا إنه.. ما زال لدينا وطن يصلح للعيش ويصلح للعودة له، ولو بعد حين، اسمه سوريا، وإنه مازلنا نحن السوريين بشراً، من حقنا أن نحيا، ونأمل، ونحلم..