مصالحة الوعر في مدينة حمص - ماهر المونس.

نسرين علاء الدين تكتب: هل تعود الثقة فيما بيننا؟

تهدأ أصوات الاشتباكات، يسود صمت لئيم، تتعالى الهمسات وتبدأ الهدنة بالسريان، لتعلن المصالحةُ مصالحة لمصلحة ما.

تعلن المذيعة عبر الراديو أن "قوافل الأدوية والطعام بدأت تصل إلى المناطق المطهرة، وأن الكهرباء لن تتأخر وكذلك المياه".

يقف "غياث" في الصف يوقع ويبصم ويقرّ، هذه هي المرة الرابعة التي يتقدم فيها للجنة المصالحة في منطقته كي يحصل على ورقة تُبرّئه من تهمة حمل السلاح في وجه الحكومة.

لم يدخل "غياث" إلى منطقته منذ ثلاث سنوات لكن تشابه الأسماء بينه وبين أحد أبناء عمومته جعله في عداد المطلوبين. ابن عمه عاد لحضن الوطن وصار من اللجان المسؤولة عن حماية المنطقة، وبقي "غياث" مطالباً بإبراز ورقة براءته عند كل حاجز يوقفه، وهو الذي لم يحمل السلاح يوماً.

تجمع "نوارة" ثياب عائلتها في أكياس وحقائب صغيرة، لم يُسمح لها باصطحاب أي أثاث، تحمل حياتها، خوفها، ذكريات الحصار التي تركت أثرها الواضح على وجهٍ كان ضاحكاً يوماً ما، وتمشي مع الخارجين من بلدتها، ستنقلها الباصات إلى الجهة المتفق عليها، أكثر من ثلاث سنوات تحت القصف والمعارك، واليوم تخرج من أجل لقمة طعام وحياة دون معارك.

تتسائل "نوارة"؛ هل كان من المستحيل التوقف قبل ثلاث سنوات، قبل أن أفقد عائلتي ومنزلي؟ لماذا يتوجب علَي أن أصبح غريبة؟ وأي ضريبة هذه التي سوف أدفعها؟! أنفى من أرضي إلى أين؟، تساؤلات لم تعد مشروعة، الحكم صدر. سينقل السوريون بين ضفتي الخارطة. أُفرغت البيوت والأراضي من سكانها، لا يعلمون من سيقطف الكرز هذا العام وباقي الأعوام أو يحصد سنابل القمح الذي زرع. مراكز إيواء جُهزت، وخيام نُصبت على أطراف الخارطة، والباصات متأهبة للنقل.

فرغت الدور من أهلها، ومن كان محظوظاً عاد ووجد جدران وسقف مجردة من الأبواب والنوافذ فُكت على مهل، ومن كان حظه عاثراً؛ سيعود ليجد كومة من الحجارة يتوجب عليه إزالتها ليتحسس الأساس الأول.

يعارض عدد كبير من السوريين المصالحات التي تتم هنا أو هناك وخاصة من فقد أخاً أو قريباً في الحرب الدائرة، تتعالى أصوات الرافضين لهذه الخطوات ويدعون إلى المحاسبة الشديدة لمن وقف في وجه الحكومة، فيما يعتبر بعض المعارضين أن من صالح من طرفهم؛ خائناً ويستحق النبذ.

لكن الصورة على الشاشات تأتي زاهية براقة لأعراس الوطن ومراسم العودة إلى حضنه، ابتسامات و"تبويس شوارب" يؤديها المنتصرون أمام عدسات التصوير، ليقتسموا بعد انتهاء المراسم ما تبقى من صلاحيات وأكوام حجارة.

ينظر المسؤولون السوريون إلى المصالحات الوطنية على أنها جانب مهم من جوانب الحل المنتظر عبر إجراء اتفاقيات، والبعض يسميها صفقات، يدفع الثمن الأكبر فيها السوريون البسطاء في سبيل وقف إطلاق نار مؤقت هنا، وإدخال شاحنة من المساعدات هناك، أو إفراج عن معتقلين ومخطوفين لدى أحد من الأطراف، لكن الدمار الذي عم في أرواح السوريين وممتلكاتهم؛ يحتاج عشرات السنين كي يتم ترميمه، فهل تعود الثقة فيما بيننا؟!.

"نوارة" قد تكون من سكان الشمال أو الجنوب أو حتى وسط سورية، كانت وكنا وقوداً لحرب لم نطلق شرارتها الأولى، ولا ندري من يطلق آخر رصاصة فيها.

صيغة جامعة لأبرز بنود الاتفاقات:

1-   تسوية أوضاع المطلوبين والمنشقين والفارين والمتخلفين عن الخدمة الإلزامية تسوية شاملة.

2-   تسليم السلاح بالكامل على عدة مراحل.

3-   تشكيل مجموعات للوقوف مع أبناء المدينة إلى جانب الجيش السوري ضد أي خطر يهددها من قبل التنظيمات الارهابية .

4-   العمل على إخراج الموقوفين.

5-   إعادة إعمار ما تم تدميره وإصلاح البنية التحتية للمدينة.

6-   دخول جميع مؤسسات الدولة إلى المدينة وعلى رأسها مخفر الشرطة.

7-   السماح للمنظمات الدولية والمحلية بالتنسيق مع الحكومة السورية وتقديم المساعدات لأهالي المدينة.

8-   من لا يرغب من أبناء (....) في تسوية وضعه يتم إخلاؤه إلى ريف حلب أو ريف إدلب.