AP - مسجد في بنغازي، شرق ليبيا. 04.08.2011

علي العسبلي يكتب: الهوية الليبية ما بين السنوسية والسلفية!

لكل بلاد إسلامية هوية ورمزية دينية مميزة، تتسم بها وتمتزج مع تاريخها وثقافتها وحتى زيها الشعبي، فكما لمصر الأزهر وتونس معروفة بالزيتونة، لا يستطيع أحد نكران أن الهوية السنوسية هي الغالبة في ليبيا.

تأسست الدعوة السنوسية في القرن التاسع عشر الميلادي، على يد الشيخ محمد بن علي السنوسي، تتبنى الإسلام الوسطي والزهد والدعوة إلى الله بالحكمة والابتعاد عن أسلوب العنف واستعمال القوة، والجهاد ضد المستعمرين.

وقد أسست الدعوة السنوسية في ليبيا أكثر من 120 زاوية، أهمها زاوية جغبوب، التي كانت من أكبر المراكز العلمية في شمال أفريقيا آنذاك، وبها مكتبة حوت 8000 مجلد بمختلف العلوم، وتوسعت وانتشرت السنوسية في شمال أفريقيا كلها، وقد امتدت زواياها من مصر إلى مراكش. ووصلت جنوبًا إلى الصحراء في تشاد والسودان والصومال وغرباً إلى الجزائر، وكذلك انتشرت في خارج أفريقية حيث وصلت إلى أرخبيل الملايو في الشرق الأقصى.

قادت الدعوة السنوسية حركة الجهاد "أدوار القبائل" ضد المستعمر الإيطالي في برقة، وشاركت قبله في الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي في السودان وتشاد، ودعمت حركة التحرر في الجزائر، وساهمت في إنهاء حروب قبلية وعقدت مواثيق الصلح ونشرت ثقافة التسالم، وتأسست على يدها إمارة برقة ثامن دولة عربية ومن ثم اتحادها مع فزان وطرابلس واستقلال ليبيا.

السنوسية ظلمهم التاريخ ولم ينصفهم المؤرخون، وخونهم وهمش دورهم مخرجو الأفلام، فقد حاربهم القذافي بشراسة حيث سجن وهجر الكثير منهم، وأظهرهم بمظهر الخونة في فيلم عمر المختار، وهدم أشهر الزوايا من بينها زاوية الجغبوب وزاوية القصور التي كان يديرها عمر المختار، في محاولة لطمس وإنهاء واستبدال هذه الهوية.

بعد ثورة فبراير صارت البيئة مناسبة لنمو وترعرع أي جماعة أو تيار ديني، وأصبح الجو ملائم والظروف مواتية لنشر الأفكار وترسيخ المعتقدات القادمة من وراء البحار بين الناس، ومرجع ذلك الفراغ العقائدي والانفتاح الكبير والمفاجئ، فقد حاول الاخوان المسلمون أن يجدوا لهم موطئ قدم وكادوا أن ينجحوا لولا سقوطهم في مصر، كذلك تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة اللذان لفظهما الشارع، تيار وحيد استطاع أن يجد له حاضنة شعبية ويكون بديلاً للهوية الدينية المفقودة خاصة في الشرق، وهو السلفية.

سيطر السلفية على المساجد وهيئة الأوقاف والإفتاء في برقة شرق ليبيا، ونظراً لمشاركتهم قتال داعش في بنغازي وولائهم الأعمى لما يسمونه ولي الأمر وتحالفهم مع العسكر المسيطرين، صار لهم أنصار ومؤيدون، وصاروا  يمارسون سلطتهم تحت ستار الدين، ويقصون كل من يخالفهم، بوصفه داعشي خارجي كلب النار، وإذا لم تتناسب التهمة فسيصنف على أنه علماني أو ماسوني من عبدة الشيطان! وبالتالي يصبح هدف مشروع لميليشياتهم وعرضة للسجن في سجونهم السرية، وباتوا نسخة لا تختلف كثيراً عن تيار المفتي الصادق الغرياني في الغرب ودار إفتائه، ربما الفرق الوحيد أن المفتي يأخذ الفتاوى من قطر وتركيا، وهم يأخذونها من السعودية!

الحرية والديموقراطية والانتخابات والدستور والبرلمان والمظاهرات كلها كفر بالنسبة لهم، الدولة  المدنية وحقوق الإنسان فسق وفجور، العصيدة والقنديل بدعة، وكل التيارات والجماعات في النار ما عداهم، هم الفرقة الناجية، عمائم وجلابيب قصيرة دخيلة لا تمت لزينا الشعبي بصلة، حتى اللهجة على المنابر تغيرت وأصبحت مثل لهجة شبه الجزيرة العربية، بفضلهم تحول عمر المختار من بطل قومي إلى قبوري ومبتدع وضال وكذلك الأمر مع الملك إدريس وكل رموز السنوسية.

في رأيي أن أي تيار أو جماعة لا تؤمن بالتعايش مع الآخرين وتفسق وتبدع وتقصي كل من يختلف مع أفكارها ومعتقداتها وتؤمن باستخدام العنف والقوة لن يكون لها مكان وستنتهي عاجلاً أم آجلاً، نهاية شبيهة بنهاية داعش.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".