منذر مصري - نعوة ملصقة على إحدى جدران شارع في محافظة اللاذقية.

منذر مصري يكتب: سامحوني!

لم أصدف هذه النعوة، أنا المهووس بالنعوات ومتابعة تدفق نهر الموتى من أهل مدينتي، إلا متأخراً كما يبدو، وذلك ليس بالعودة إلى تاريخها، فهو يقع في الأجزاء الممزقة من الورقة، بل بسبب ما آل إليه حالها، حال النعوات التي يقدم عهدها فتمزق أو يلصق فوقها أو تكلح وتبلى. فلقد طال بحثي، علني أجد نسخة أخرى منها، كامل محيط المكان الذي ألصقت على حائطه، غرباً باتجاه ساحة الشيخ ضاهر، وشرقاً باتجاه المركز الثقافي، الذي عادة ما تلصق على جدرانه جميع نعوات شهداء محافظة اللاذقية، حتى القرى البعيدة، ثم شمالاً حتى مقبرة الفاروس، وجنوباً باتجاه حي القلعة والعوينة، ولا أثر لنعوة واحدة منها.. مما اضطرني لأن أعود وأكتفي بهذه الصورة، حيث تم تمزيق جزء من الوجه، كما أنه لا يظهر فيها اسم الشهيد أو كنيته أو في أي قرية أو جامع ستجري التعزية.. أي يد لاهية مزقت كل هذا، أي عبث.

يكشف الجزء الممزق من ورقة النعوة، مقاطع من النعوات الملصقة تحتها، فيمكننا رؤية أنها كانت تغطي نعوتي شهيدين سابقين وربما ثلاثة، شهيد تحت شهيد تحت شهيد، موت فوق موت فوق  موت.

موت لا يقيم اعتباراً لسنوات العمر، في السلم؛ الأبناء يدفنون آباءهم، في الحرب؛ الآباء مكسورو الظهور، يهيلون التراب على وجوه أبنائهم.

موت لا يقيم اعتباراً لأماكن الولادة، أو لخانات الهوية، كتب على صفحة (نعوات لادقانية) في الفيسبوك: "لو أراد أهالي مشروع الصليبة أن يقيموا مسلة لصور الشهداء من أبنائهم، لكانت أطول من مسلة معرض دمشق الدولي".

          لكن ما فاجأني لحد الصعق، هذه الكلمة التي خطّت بالأبيض أسفل الصورة: (سامحوني)!.. يوماً لم أقرأها على نعوة شهيد أو غير شهيد، يوماً لم أقرأ ما شابهها أو مثيلاً لها على أي نعوة.

(سامحوني).. بدل أن يطلب منا، تمجيده، أو الافتخار به، وعلى الأقل، عدم نسيانه!؟.

(سامحوني).. يطلب ممن؟ من أهله، أمه وأبيه وأخوته، زوجته وأولاده؟ نعم.. ولكن كتابتها على ورقة نعوة تلصق على الجدارن، ويراها الجميع، تعني أنه يطلب المسامحة من الجميع، من الأغراب الذين سيرون نعوته ويقرؤون: (سامحوني).

 (سامحوني).. أي شعور كان يعتمل في داخله عندما قالها آخر مرة مودعاً وهو يذهب إلى حيث الموت احتمال مؤكد، إلى حيث النجاة أعجوبة؟ أو عندما همسها بصعوبة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

(سامحوني).. ولكن على ماذا؟ هذا برأيي السؤال الأهم. ماذا تراه قد فعل ويستوجب مسامحته عليه، أي أخطاء ارتكبها في يوم من الأيام، أي آثام، أي جرائم؟ غير أن المجرمين ليس من طباعهم الاعتذار، وليس من عاداتهم طلب المسامحة من أحد، تراه من أغضب يوماً، لمن أساء؟ إلا أن التفكير بهذا الاتجاه يلغيه، برأيي كون الكلمة (سامحوني) مكتوبة على صورة شهيد، ومعممة على نعوة ملصقة في أماكن عامة، إنه، وهذا ما شعرت به أول ما قرأتها، يطلب مسامحته على موته، على استشهاده، على الألم الذي يعلم أنه سيسببه لأمه وأبيه وكل من يحبه، الألم الذي يتوقع منا نحن أبناء مدينته، أبناء وطنه، أن نشعر به. الألم على موت شاب، ربما لم يتجاوز سن العشرين، أو تجاوزها بقليل، موت أب، خلف وراءه زوجة صغيرة، وأطفال سينشؤون ويشبون دون أن يكون بقربهم، الألم على حياة اختصرت وانتهت بهذه القسوة اللا متناهية، على روح يافعة أشبه باللهب الأزرق، انطفأت قبل أوانها بكثير.

(سامحوني).. ولكن أليس الأصح أن نقول له: (سامحنا). قال لي (م.ر).

           في الخاتمة، حيث لا خاتمة لكل هذا الأسى، أقول إنه جيد أن هذه النعوة قد مزق أحدهم أجزاء منها، جيد أن يداً حاولت نزعها، مهما كانت غايتها، فليس المهم من هو الشهيد تحديداً، من هو أبوه ومن هم أشقاؤه، كما ليس مهماً اسم قريته أو حيه أو مقبرته، وليس مهماً أيضاً، أوجه هذا للعمي من كلا الطرفين، في أي صف كان يحارب، شيء واحد هو كل ما يهم.. الموت السوري مازال يعمّ وينتشر، والدم السوري ما زال ينزف، طالساً الجدران والشوارع، ومغرقاً بلجته سوريا ومستقبلها.