هنا صوتك - هل يعزز الانترنت التعايش؟

رياض نسيم حمَّادي يكتب: الإعلام الجديد والتعايش!

كان التلفزيون ينقل الصورة بالأبيض والأسود، على الرغم من أن الواقع ملون. وعندما تلونت الصورة في التلفزيون، لم يخترع التلفزيون الألوان ولا غيّرَ من صورة الواقع. مؤكد أن التلفزيون يؤثر، لكنه لا يُغير إلا بمقدار قدرتنا على التفاعل معه سلباً أو إيجاباً.

قبل أيام كنا في ضيافة مؤسسة بيسمنت الثقافية في مناظرة موضوعها الإعلام الجديد، مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في التعايش. وقد صيغ سؤال المناظرة كالتالي: هل يعزز الانترنت التعايش؟

الجواب النظري قطعاً: نعم. لكن، هل يُستعمل الانترنت كوسيلة للتعايش في اليمن؟ هنا تختلف الإجابة وتحتاج إلى توضيح. الغالب أن الانترنت في اليمن وسيلة لتعميق الخلافات. والمشكلة إذن ليست في السوشيال ميديا؛ فهو وسيلة تواصل كاللغة أو أي وسيلة تواصل أخرى. المشكلة في الذين يستعملون هذه الوسائل التي يمكن أن تكون وسائل تواصل أو وسائل تَفاصُل، وسائل لتعزيز التعايش أو لتعميق الخلافات. وسائل التواصل لا تخترع شيئاً غير موجود في الواقع، هي تعكس صورة الواقع، فإن كان الواقع الحقيقي متعايشاً انعكس ذلك على الواقع الافتراضي، والعكس لا يكون دائماً صحيحاً.

طوال المناظرة كان الأغلبية يخلطون بين الانترنت كوسيلة للتواصل وبين التعايش. للإنترنت وظيفة هي التواصل، لكن هذه الوظيفة قد لا تتحقق عندما يكون التواصل سلبياً، أي بتعميق الخلافات والصراعات بين الأفراد والجماعات. وهذا ما هو حاصل في الواقع الافتراضي اليمني الذي لم يأتِ بشيء من الفضاء المتخيل أو الافتراضي وإنما عكس صورة الواقع الحقيقي فقط.

سبب الخلط بين التواصل والتعايش هو عدم التعريف بهذين المفهومين كلاً على حدة. التواصل لا يكون تعايشاً إلا في حالة ضمان حرية التعبير دون التعرض لمن يمارسها بالقتل أو بالضرب أو بالسجن أو بأي وسيلة من وسائل الترهيب. والخوف من التعبير الذي يعاني منه الكثيرين شاهد على عدم قبول الأغلبية للمختلف.

التعايش ببساطة هو قبول الآخر المختلف في ظل حرية التعبير التي تكفلها القوانين الدستورية والأعراف الاجتماعية والثقافة السائدة والدين. وإذا كانت حرية التعبير هي حبر على ورق الدستور وملاحَقة من قبل الدين والمجتمع، وضيقة أو محدودة في المجتمع الواقعي فلن تأخذ حقها في سياق مجتمع الانترنت أو الواقع الافتراضي إلا في حدود ضيقة أيضاً.

هناك حالات استثنائية يقوم فيها الانترنت بتعزيز أشكال التعايش الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي، لكن في الأغلب من الحالات يقوم مستعملو الانترنت، مواقع التواصل الاجتماعي تحديداً، بدور سلبي. هم يتواصلون لكنهم لا يتعايشون، والدليل على عدم تعايشهم هو عدم قبولهم للمختلف من الآراء الدينية والاجتماعية والسياسية.

على سبيل المثال:

هل يمكن لشخص يعيش في اليمن إعلان إلحاده أو مثليته الجنسية دون أن يلاقي معارضة شفهية أو مكتوبة أو رفضاً يصل إلى حد القتل؟ هل يمكن لشخص مسلم عقلاني أن ينتقد الفكر الديني؟! والجواب نجده في حالات قمع دينية واجتماعية وسياسية أبرزها حالة الشاب عمر باطويل والشاب محمد علي عطبوش، فقد تعرض الأول للاغتيال والثاني لمحاولة اغتيال والسبب هو كتاباتهم على الفيسبوك التي لا تدل على إلحاد بقدر ما تدل على فكر منفتح وعقلية نقدية.

إسهام الإعلام الجديد بشكل بطيء ومحدود في تغيير هذه القاعدة شيء، والقول بأنه وسيلة فاعلة شيء آخر غير ملموس في الواقعين، الحقيقي والافتراضي. ومن أسباب ضعف هذا التأثير جُبن أو خوف كثير من الذين يُفترض بهم تعزيز هذه الوسيلة لتصب في صالح التغيير.

التعايش في الغرب لا يُستمد من الإعلام التقليدي ولا من الإعلام الجديد -فهذه تنقل صورة التعايش فقط- ولكن من وجود قوانين ودساتير تنظم علاقات التعايش بين الأفراد والجماعات، ويستمدها من ثقافة الأغلبية التي تُقدِّر حرية التعبير وتحترم اختلاف الهويات وتقبل بوجود الملحد إلى جوار المسيحي والمسلم واليهودي واللا أدري إلى غيرها من أشكال التنوع في المظهر والجوهر.

الخلاصة:

التعايش كان موجوداً قبل الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي -وتاريخ الأقليات الدينية في اليمن شاهد على ذلك- وسيظل موجوداً معها، إن سمحت الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسة والدينية، أو بالأحرى إن لم تتدخل سلباً.