AP - شاب ليبي ينظر إلى جدارية تحوي صور القتلى في الثورة الليبية.

محمد الأصفر يكتب: ثورات جائعة!

ما تشهده ليبيا حالياً من مشاكل بين أبنائها بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية والعقائدية وغيرها تجاوز مرحلة العيب ودخل بجدارة إلى مرحلة العار الذي لا يمحى، بل وصل إلى مرحلة الخزي وهي درجة متقدمة جداً من العار، فما الشيء السيء الذي لم يفعلونه بعد؟ كل الباطل تورطوا فيه عن عمد أو طمع أو سوء نيّة أو اضطرار، فقتلوا بعضهم، وخطفوا بعضهم، وكذبوا على بعضهم، وخوّنوا بعضهم، واستعانوا بالأجنبي على بعضهم، ونهبوا بعضهم، وانتهكوا أعراض بعضهم، وقريباً جداً سيكملون بعضهم البعض وسيختفي وطن كان يعرف على الخريطة باسم ليبيا لتلتهمه الذئاب والضباع الشرهة.
 
ومع الارتفاع المطرد لسعر الدولار مقابل الدينار ومن ثم ارتفاع كافة السلع الضرورية للمواطن بشكل جنوني، وسط ندرة في السيولة، ووضع أمني هش في معظم أجزاء البلاد وصل إلى حد الحرابة في وضح النهار، ستصل البلاد إلى طريق مسدود ولن تصمد أكثر ومن ثم ستتفاقم المشاكل ليس بين مدينة وأخرى أو قرية وأخرى، بل بين حي وحي وشارع وشارع وبيت وبيت، حيث لن يجد الإنسان ما سيطعم به أسرته وآنذاك علينا أن نتخيل ما التصرف الذي سيقوم به من أجل البقاء!.
 
ربما ستخرج الناس احتجاجاً على تجويعها المتعمد من قبل أولياء أمور الآن في كل المدن، يمكنها أن تسقطهم بسهولة بعد أن وصلت النار إلى العصب، فالقوة العنيفة ما عادت تمنع الثورات وسيخرج بالطبع زعماء جدد ورموز جديدة لثورة الجياع، وحسب ما شاهدنا في التاريخ سابقاً لن يكونوا المنقذ ولن يجلبوا الشبع للثائرين، وسيحدث مثلما حدث بعد إسقاط أي نظام، يمكننا أن نقول بالضبط ويمكننا أن نضيف وأكثر حيث أن كل جدد سيستفيدون من كل نذالة سبقتهم لتثبيت أقدامهم أكثر على رقاب وجيوب الناس قبل أن تهب عليهم ريح جديدة تقتلعهم.
 
وإذن ما العمل؟ كيف ننقذ البلاد؟ هل نجلب حكومة إنقاذ أو جبهة إنقاذ أو أي كيان منتفخ بالوعود المنقذة والخيرات المهرولة نحونا في الطريق؟ يعني الحكومة أو الجبهة أو أي شيء يريد إنقاذ البلاد هو في الأساس يريد إنقاذ نفسه من شيء يفتقده من فقر أو جوع للسلطة أو عقد نفسية.
 
كيف يمكنا أن نبدأ بتصحيح الأوضاع؟ كيف يمكنا أن نكون محترمين أمام أمنا ثم أمام العالم ثم أمام الإنسانية؟ مهما كانت المشكلة كبيرة فيمكن للإنسان عندما يقرر ذلك أن يجعلها صغيرة ثم صغيرة جداً إلى أن تتلاشى.
 
دول قبلنا عانت أكثر منا بكثير ثم قررت أن تنهض، ونهضت بالفعل في زمن قياسي، هكذا هي الحياة لابد أن تكون هناك مشاكل ولابد أن تكون هناك حلول، لابد أن نحدد ماذا نريد وكيف يمكننا أن نحقق هذا المُراد، نريد أن نكون دولة مدنية حضارية محترمة في كل العالم، يحدث ذلك بالعلم، بالعمل، بالسلام، بالحب، بكذا وكذا وكذا شيء موضوع ونبيل.
 
الأشياء التي جعلتنا أن نصل إلى هذا الوضع المأسوي لابد أن نعرفها، أو بتعبير أدق نعرفها وعلينا أن نزيلها ونرفضها ونضيء وسط ظلامها شمعة، لا أحد في هذه البلاد يعيش بمفرده وإن حللت أنت مشكلتك بشكل فردي فاعلم أن الحل مؤقت وكأنه جرعة مسكنة أي أنك فاقمتها أكثر ولم تحلها.
 
فلنلقي نظرة تأمل ولنبدأ في تصحيح الأوضاع من الصفر أو من وضعنا الحالي الذي هو تحت الصفر، أي منك ومني ومنه ومنها ومنهم ومنهن، وأيضاً منهما، فلنبحث الآن فينا ما الأخطاء ولنصححها، ستكون النتائج الأولية بسيطة ولا تكاد تذكر، لكنها ستكبر وتكبر لتشمل الكل، دعونا نتعلم دعونا نعمل دعونا نتصافح أكثر ونبتسم أكثر.
 
أنا لا أتحدث على مستوى الدولة، أو القبيلة، أو الجهة، أو حتى فريق الكرة أتحدث على مستوى الفرد، أي أنت وأنا، الآن سأذهب إلى العمل في الموعد وسأؤدي عملي بنيّة بل بقلب يتسع أكثر لكل قطرة عرق!.