هنا صوتك - حصان يتحرر/ من عمل سجين سوري.

منذر مصري يكتب: ما الذي حوّل الربيع العربي إلى إعصار؟

1- ربيع دمشق الصغير:


          أُطلق على التظاهرات، الحراكات، التمردات، الثورات.. في البلاد العربية، اسم (الربيع العربي)، وذلك من قبل المنابر الإعلامية والسياسية والفكرية الغربية، قبل أن تلتقط التسمية وتستخدمها المنابر العربية، غير الرسمية منها، بالتأكيد. ولكن هذا لم يكن اختراعاً جديداً، بل كان تيمناً بـ(ربيع الشعوب الأوروبية)، تلك السلسلة من الانتفاضات الشعبية، أو الاضطرابات، كما يحلو للبعض توصيفها، التي حدثت أواسط القرن التاسع عشر، وانتشرت في جميع أنحاء القارة، مكتسحة مايقارب 50 بلداً.. ألمانيا /انتفاضتا برلين وميونيخ، بولونيا، إيطاليا، تمرد الصقلية، المجر، النمسا، اسكتلندا. ويذكر أنها وصلت إلى أمريكا، جميعها مدفوعة بالثورة الفرنسية الثالثة، ثورة فبراير، وكأنه بسبب كثرة ثورات الشعب الفرنسي، راحت تعطى أرقاماً، وتسمى بأسماء الشهور، لا السنوات.

          جاء بعد ذلك ربيع شعوب عديدة، أهمها في القرن الماضي، ربيع المجر 1956، وبعده ربيع براغ 1968، اللذان سحقا تحت تروس دبابات الاتحاد السوفيتي. ليبدأ القرن الجديد، بربيع صغير خاص بنا نحن السوريين، أطلق عليه (ربيع دمشق). إلاّ أن هذا الأخير، استطاع أن يقنع باسمه، حتى نظامه المتصلب، والذي يملك حساسية مفرطة تجاه كل ماهو خارج قاموسه من كلمات. وقد كان على درجة عالية من الطرافة، ذلك الكتاب المرسل من مكتب الأمن القومي للقيادة القطرية في حزب البعث العربي الاشتراكي، المتضمن، بعد التحية العربية، أمر إيقاف أحد الدكاترة الجامعيين عن تدريس مادة الفيزيولوجيا في جامعة خاصة، غير عائدة للدولة، وذلك بسبب أنه من جماعة (ربيع دمشق)..حرفياً!.

2- الدرس الليبي

          في 24/2/2011، كتبت في صحيفة (السفير): "ليبيا، وهذه المرة للأسف لا أستطيع أن أقول: "جيد"، سوف تجرب احتمالاً لم يحدث من قبل. ليبيا المختلفة كبنيان سياسي واجتماعي عن جارتيها تونس ومصر، سيكون عليها أن تقدّم جواباً عن سؤال سئل كثيراً لكنه بقي معلقاً، ألا وهو: "ماذا لو كان النظام في هذه الدولة العربية أو تلك يعلم أن دوره التالي؟ ماذا لو كان قد أجرى استعداداته التامة للمواجهة، وذلك باختيار العنف منذ اللحظة الأولى، ومتابعته حتى النهاية؟". الاحتمال الذي يعرف إن كلا نظامي (زين العابدين بن علي) و(حسني مبارك) قد قصرا عنه، أكان ذلك عن سوء تقدير أولي، أو ربما نتيجة لطبيعة النظامين اللذين رغم كل ما يقال عنهما لا يتوفران على هذا القدر غير المسبوق من التغول في السلطة والابتلاع الكامل للدولة وللبلد. 

          (معمر القذافي) وأبناؤه الذكور الموعودون بجنة ليبيا لأبد الآبدين، قد أفهمونا أنه لا خيار أمامهم سوى أن يغرقوا ليبيا بنهر عظيم من دماء الليبيين، وبأنهم سيخوضونها حرباً مصيرية، حرب حياة أو موت، في مواجهتهم مع شعبهم. غير أن النتيجة المحسومة، ذاتياً أو شعبياً أو ربما بتدخل خارجي غير محدد السمات بعد، قد تستدعيه الأحداث، هي هزيمة ونهاية نظام القذافي. وبذلك تكون ليبيا، رغم فداحة الثمن، قد قدمت لنا، شعوباً وحكاماً، ذلك الدرس المر كالزقوم.

          في20/10/2011، أخرجوا العقيد القذافي قائد وحاكم  الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى لمدة 40 سنة، من فوهة مجرور، وقتلوه على نحو وحشي.

3- ما يستطيع أن يراه الجميع

          مهما كانت الأسباب التي تحدد نوعية ومستويات ردود الأفعال التي تقوم بها الأنظمة التي تواجه مثل هذه الثورات، ومهما كانت المبررات التي تسوقها في اتخاذها لهذا الموقف أو ذاك، باعتبار ما يحدث:

*مطالب محقة..تقتضي الحكمة الاستجابة الصحيحة لها.

*ثورة شعبية..يمكن أن تشكل دافعاً للتغيير نحو الأفضل.

أو:

*محاولة انقلاب على الشرعية باستخدام العنف..من الواجب الوطني إخمادها.

*أعمال تخريب من قبل إرهابيين محليين وأغراب ينبغي على الأنظمة حماية شعوبها وبلادها منها.

*مؤامرة دولية..يتوجب على من هو في سدة الحكم والمسؤولية التصدي لها وإفشالها.

          أقول مهما كانت الأسباب، والمبررات، فإنه بات من الجلي، في الحالة العربية، ربيع هذه الشعوب المصحرة، أن الأنظمة التي اختارت حل التجاوب كتونس ومصر، قد استطاعت أن تحافظ، ما أمكنها، على كيان الدولة ووحدة البلاد وسلامة الناس، أما التي اختارت المجابهة والممانعة كما في ليبيا بداية، وبعدها اليمن وسوريا، فإن النتيجة البسيطة والواضحة التي يستطيع أن يراها الجميع، كائناً ماكان موقفه السياسي، موالياً أم معارضاً، هي أنها اليوم في حالة خراب عميم، شامل، لايمكن أن يكون في مصلحة أي من الطرفين، لا الشعوب التي شمّت رائحة الربيع، ولا أنظمتها المتربعة على صدرها إلى آخر الدهر!.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".