AP - امرأة يمينة مع ابنها - صنعاء

بلقيس محمد علوان تكتب: السيدة الأولی!

ما الذي يمكن أن تفعله أرملة في الخامسة والثلاثين، أم لعشرة أبناء، أكبرهم في الثانوية العامة وأصغرهم رضيعة في شهرها الثامن؟ كان زوجها موظفاً يشغل منصباً مرموقاً، لكنه في نهاية المطاف موظف حكومي، ما إن يتوفی أو يتقاعد حتی يخسف براتبه ليتحول إلی فتات، كان نصيب الواحد من الأبناء من ذلك الراتب 160 ريالاً يمنياً في الشهر، أي ما يعادل 13 دولاراً حينها -حالياً يساوي نصف دولار شهرياً- هكذا وجدت نفسها وجهاً لوجه مع مسؤوليات والتزامات الحياة وهي التي لم تكن تعر هذي الأمور شيئاً من الاهتمام، فهناك من يتكفل بكل شيء ولكنه رحل بلا عودة.

خيارات محدودة وحمل ثقيل

  يوم وفاة زوجها تذكر أختها أنها كانت تحاول الوقوف لتلقي نظرة الوداع علی زوجها المسجی، لكن ركبتيها تخذلانها فلا تقوی علی الوقوف إلا وتسقط، الحمل الذي تركه زوجها لن يتركها حتی تحزن، لا وقت للحزن أو الانطواء فما أن انقضت أيام العزاء حتی اتجهت إلی ماكينة الخياطة التي تحتفظ بها في البيت، كانت تحب التفصيل والخياطة ولا يعجزها تنفيذ أي تصميم يطلب منها، كانت تلك هوايتها ولكنها اليوم مهنتها التي ستستعين بها لإعالة أيتامها العشرة. 

خلال شهور صارت هذه السيدة واحدة من أبرع النساء اللاتي يمتهن الخياطة في مدينتها، ولسنوات طويلة كانت تلك الماكينة رفيقة الليالي الطوال كي تنجز كسوة عروس أو فساتين العيد للزبونات وبناتهن، أما ساعات النهار فقد خصصتها لمتابعة الأبناء الثلاثة والبنات السبع وأعمال المنزل التي عودت بناتها ودربتهن علی مساعدتها والقيام بجزء كبير منها.

شريط الأيام وثمرات النجاح

في العام الثاني لوفاة زوجها، لحظة إعلان نتائج الثانوية العامة على شاشة التلفزيون، كانت أكبر بناتها في المركز الأول على الجمهورية، وكانت هذه النتيجة أول مواساة القدر لها، وبعد ثلاث سنوات أعلن التلفزيون ابنتها الثانية في المركز الثاني ضمن أوائل الجمهورية. كان التحدي الأكبر أمامها والأكثر كلفة هو التحاق الأبناء بالجامعات، وخصوصاً مع ضرورة سفر بعضهم إلی العاصمة صنعاء لدراسة تخصص معين، كانت هذه السيدة تكثف عملها وتضاعف ساعات سهرها لتأمين متطلبات الحياة التي تزيد يوماً بعد يوم، وها هي تضطر لارتداء النظارة بسبب ضعف النظر الذي أصابها، ومرة بعد مرة تستبدل النظارة بأخرى أقوی مواصلة عملها لتتمكن من مواصلة طريقها الطويل الذي كان من الممكن أن يكون أقصر لو اختارت الأقل كلفة كتزويج بناتها في سن مبكر.. أو إلحاق أبنائها بأعمال بسيطة يعيلون أنفسهم من خلالها.. لكنها أخذت الخيار الأصعب، التحق أكبر أبنائها بالوظيفة الحكومية وتنقل بين عدة محافظات، وكان شاعراً وأديباً لم يمهله القدر طويلاً، إذ توفي بنوبة قلبية في بداية الثلاثينات، وكانت هذه أشد صدمة تلقتها وأثرت فيها بعد وفاة زوجها.. ابنها الثاني يشغل وظيفة حكومية محترمة، والثالث أنهى دراسته الجامعية، أما البنات السبع فثلاث منهن أكاديميات في الجامعة: دكتورتان، والثالثة تحضر حالياً الدكتوراة، واثنتان مدرستان تربويتان، أما الأخيرتان فقد بدأتا مشروعاً تجارياً صغيراً بدأ من خلال التسويق الإليكتروني ثم افتتحت إحداهما متجرها الخاص وكانت والدتها هي من قص شريط افتتاح المتجر. 

الأرملة أم العشرة أوصلت كلاً منهم إلی بداية طريق حياته ومستقبله، والآن هي جدة لستة عشر حفيداً وتحظی بتقدير الجميع فهي ليست فقط أماً لأبنائها، ولكن أيضاً أماً ومرجعية لمن حولها. وها هي تُختار أماً مثالية يتم تكريمها في يوم الأم للمرة الثانية.. هذه السيدة هي شفيقة عبد الرحمن، أمي.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".