هنا صوتك - منذر مصري مع عائلته في الزمن القديم.

منذر مصري يكتب: سوريا بلدي.. خالدية أمي!

1- عيد حزين!؟

            عيد حزين هو عيد الأم السورية هذا العام. عيد حزين كما في الأعوام الخمسة الماضية، أعوام الحرب والدمار والموت. وكيف له ألاّ يكون حزيناً والأم السورية هي الصورة المثلى للحزن.

            عيد حزين هو عيد أم السوريين. السوريون الذين فقدوا أمهاتهم، السوريون الذين مضوا بعيداً عن أمهاتهم، الذين اضطروا لأن يديروا لهن ظهورهم ويمضوا بعيداً عن أنظارهن وأحضانهن، ومنهم  الذين أمهاتهم أنفسهن دفعنهم لذلك، السوريون الذين وهم بعيدون يتبادلون مع أمهاتهم مرارة الفراق والغياب. تمرض الأم، تهرم، تموت، والابن من بعيد يرنو، يتناهى له الصوت، يرتجف، يخاف، ينشج.

            أيّ عيد أم، بالنسبة للأمهات السوريات، أمهات الحرب والدمار والموت.. الثكالى، والأرامل، والنازحات، ومفترشات الأرصفة؟،.أي عيد أم، بالنسبة لأطفال الأكفان البيضاء، أطفال القبور الصغيرة، لأطفال حاويات القمامة، أطفال الشوارع، ماسحي الأحذية، وباعة الخبز، الشحاذين بعمر الأربع سنوات. الأطفال الذين لا يعرفون ما الطفولة، الذين ليسوا أطفالاً.

2- الأم السورية

الأم التي ابنها في إحدى الجبهات.

الأم التي أرسلت ابنها بعيداً خوفاً عليه من الموت.

الأم التي حملت طفلها وعبرت به البحار.

الأم الثكلى التي فقدت ابنها هي الأم السورية بحق.. لا أم أخرى تنازعها هذه المكانة.

الأم التي ستبقي عينيها مغمضتين طوال هذا اليوم، ليس لأنها لا تريد أن ترى أحداً.. بل فقط أن تستعيد وجه ابنها الذي غاب.

           

3- أكره عيد الأم

            يكتب سوري: "اعذريني.. أمي، لن أعايدك هذا اليوم، أمهات كثيرات انتقل أبناؤهن إلى عالم آخر، قريب خلف قضبان وجدران، أو بعيد في أرض غريبة، أو تحت الأرض مغموراً بالتراب.. أمهات وحيدات، لا يواسيهن أحد، ولا يكفكف دمعهن أحد".

            سوري آخر:"إليك يا أم الشهيد أقدم باقات الورد.. خذيها لتزيني بها قبر طفلك".

            سوري آخر:"إذا كان هناك 500 ألف قتيل في سورية، بينهم 15 ألف أم قضين بالقصف وتحت الأنقاض، فذلك يعني أن هناك بالمقابل 500 ألف أم أرملة، وثكلى، وشهيدة. ولكن ماذا عن 12 مليون نازح ومهاجر سوري، ترى كم أم نزحت، وكم أم بقيت دون زوج أو ابن وابنة.. لا لا تحتفلوا بعيد الأم.. لا تزيدوا أحزان الأمهات الوحيدات والأطفال اليتامى".

            تكتب فتاة سورية: "أنا الأم التي لم تنجب أولاداً، كيلا تفقدهم برصاصكم الذي يثقب قلبها قبل أجسادهم".

            سورية أخرى: "لأجل اليتامى.. أكره عيد الأم".

4- لن أغادر أمي مرتين

            كتبت منذ عشر سنوات مقالة بعنوان: "سوريا بلدي كما خالدية أمي". أواجه بها التشكيك في سوريتي الذي جوبهت به بسبب كتابتي بعض المقالات بخصوص الشأن السوري في الصحف اللبنانية، منها رسالة التعزية بوفاة جبران تويني، التي تصدرت الصفحة الأولى لصحيفة النهار اللبنانية، بتوقيع 11 مثقفاً سورياً، كانوا جميعاً داخل سوريا إلاّ واحداً، والآن جميعهم خارج سوريا إلاّ واحداً، أسماهم غسان تويني وقتها: "أحرار سوريا". بدا ذلك لي وكأنني أكتشف هويتي الحقيقية لأول مرة، فسابقاً اقتصر انتمائي لسوريا بكونها المكان الذي ولدت فيه صدفة، وأعيش شبه مرغم، فيه. غير أن هذا بدوره تبدّل، إذ أني منذ 2011 اكتشفت شيئاً آخر، أشد عمقاً وأشد فداحة، أن سوريا هي ذاتها أمّي، وأن لا أمّ لي سواها.

            غادرت سوريا مرة، وأمّي (خالدية نحلوس) مريضة، عدت بعد أشهر من موتها، لأجد أن قبرها يقع تماماً في المكان الذي أشارت إليه في المنام الذي حلمته الليلة التي ماتت فيها تماماً، وأنا على مبعدة آلاف الكيلومترات، في وارسو، بولونيا، 20/12/1978. لا أحد يعلم كم أشقاني أني لم أكن بقربها وهي تمضي مجذفة بقاربها الأبيض الصغير داخل البحر الأسود. ولكن هذه المرة، الآن، في مأساة سوريا الطاحنة، لن أفعل.. لا أستطيع أن أفعل.. لا يمكنني أن أدير ظهري.. وأدع أمي تموت وحدها...مرتين.

5- عيد الأم الحبلى

            يكفي تفجعاً، يكفي السوريين الأسى الذي يرتعون فيه. لا يحتاج السوريون أن يدلق أحدنا حمولة سفينة عملاقة من القطران الأسود في قلوبهم. لذا، ورغم كل شيء، ينبغي لنا أن نحتفل بهذا العيد مع الأم السورية الصابرة، المتدبرة، الآملة، الأم السورية التي ترضع الآن طفلها، أم الأربعة أطفال التي لا تحيا سوى لأجلهم، الأم التي ولدت، اليوم، طفلاً سورياً جديداً، الأم السورية الصغيرة الحبلى...بالأمل.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".