AP - فتاة سورية تستخدم ضوء الهاتف المحمول لإنارة الشارع بسبب انقطاع الكهرباء/ دمشق القديمة.

نسرين علاء الدين تكتب: نجونا من الانفجار!

يضيء وميض الهاتف المحمول باللون الأحمر، إشعار جديد من تطبيق الفيس بوك، هذا هو الصديق العاشر الذي يميز نفسه بأنه في أمان من التفجير الذي وقع قرب سوق الحميدية في دمشق الأسبوع الماضي، ويطالبني بتحديد مكاني، هل أنا آمِن؟!!.

أتفقد جسدي لست مصابة بأي جروح، ولا تسيل مني الدماء، هذه يدي اليمنى، ويدي اليسرى مازالت تعمل، أحرك قدماي، نعم سليمتان، أضع كفي باتجاه صدري، أتفقد قلبي.. يخفق؟ نعم هناك نبض.. قلبي يعمل؛ إذا أنا آمنة.

كيف أرد على أصدقائي؟، كيف أميز نفسي؟، ما هو الزر الذي يتوجب عليّ ضغطه، كي أخبركم أني لا زلت حية؟.

 في كل دقيقة جديدة؛ كانت تظهر لي وجوه أضاءت إلى جانبها إشارة خضراء؛ هم في أمان.

 أسماء وجوه عديدة تضيء في عقلي، اعتدال، ربا، لينا، كنان، أحمد، بمن سأتصل كي أطمئن عليكم، لم تضئ الإشارة الخضراء أمام وجوهكم أنتم، لم تدخلوا العالم الأزرق، فهل أنتم غير آمنين؟!!.

ظهر تطبيق تحدد مكانك من خلاله إذا كنت آمن من التفجيرات التي وقعت مؤخراً في دمشق؛ كتجربة جديدة للسوريين المقيمين داخل العاصمة. مرت أول نصف ساعة من خبر التفجير الذي وقع في القصر العدلي، ولم يعد بإمكان مالك تمالك نفسه في غربته ببيروت، يتفقد آخر ظهور لوالدته على الفيس و"الواتس آب"، يحاول الاتصال بهاتف والدته، ولكن دون جدوى. وأخيراً ترسل والدته: "أنا بخير"، يقول مالك: "مرت دقائق الانتظار طويلة، حاملة عدة احتمالات وردت أمام عيني، هل توفيت؟، هل جرحت؟، إلى أي مشفى نُقلت؟، فوالدتي محامية، وكنت أعلم أنها اليوم ستتوجه إلى القصر، ولو لم ترسل رسالتها، كنت سأتجه مسرعاً نحو سوريا.

ريما سعد طالبة هندسة مدنية، تقول: "حددت نفسي كآمنة من أضرار التفجير الذي وقع في منطقة باب الصغير، وخاصة بعد ورود اتصالات ورسائل كثيرة من أهلي وأصدقائي، المتواجدين داخل وخارج سورية، وكان الأمر مفيداً حيث منحني وقتاً؛ كي أتمكن من الرد على جميع الرسائل، وهكذا اطمأن الجميع عليّ في اللحظة المناسبة".

رفض وسام الاستجابة لتطبيق الفيس بوك وتحديد نفسه كآمن من التفجير، واعتبره عملية تجسس عليه. يقول: "لماذا أرسل لي هذا التطبيق عندما وقع التفجير في منطقة الحميدية، وأنا بالفعل كنت في منطقة قريبة على الحادثة، ولم يرسل لي هذا الإشعار عندما وقع تفجير باب الصغير، وكنت آنذاك خارج البلد، بالرغم من أنني لم أغير مكان إقامتي في إعدادات التطبيق ولم أقم بتشغيل خاصية تحديد الموقع!؟".

يحاول السوريون تسخير التطور التقني في وسائل الاتصال لصالحهم، حيث وجد عدد كبير منهم عالمهم الخاص على تلك المنصات، إما كي يجتمعوا كعائلات؛ تشتّت بسبب الحرب المستمرة، أو لتبادل الآراء والأخبار.

تحولت "اللمة الحلوة" إلى صفحة على الفيس أو "السكايب"، وقد يحتدم النقاش حول مصير زواج أو طلاق أو سفر أحد أفراد العائلة على مجموعة في "الواتس"، فنحن نحاول أن نخلق عالماً، أو حتى وطنناً؛ لا تتوقف جغرافيته عند بحر، أو حجر، محطاته؛ وجوه تضيء باللون الأخضر، والفيزا الوحيدة للدخول إليه هي آخر ظهور.

تتعلق أعيننا بتلك الشاشات الصغيرة، لننتظر نبأً، أو حدثاً وقع هنا أو هناك، نحفظ ساعات تقنين الكهرباء؛ لنحسب معها دقائق اللقاء، وأسوأ خبر؛ لم يعد فقط خبر تفجير، أو اشتباك، أو سقوط قذيفة هاون في مكان ما، فخروج الإنترنت عن الخدمة، أو الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، قد يكون له تأثيراً أكبراً من تلك الأخبار، فهواجسنا الأكبر باتت معرفة هل أنتم بأمان؟!!.

أسير اليوم تحت السماء السورية، لا أحمل مظلة تحميني من القذائف المتساقطة، أو الرصاص الطائش هنا أو هناك، ولا يوجد فوق رأسي "لمبة" تضيء بالأحمر أو بالأخضر كي يعرف أهلي أو أصدقائي أني الآن سالمة، كل ما أملكه؛ هو أمنية أن أعود إلى منزلي آمنة.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".