هنا صوتك - ماذا أنا - مأمون صقال.

منذر مصري يكتب: "أيها الخارج..اطرح عنك كلّ أمل"

1- ثلاث ساعات

          استغرق الأمر ثلاث ساعات، لا أكثر من إغماضة عين، دخلت وخرجت، لم ينقص من وزني غرام ولم يزد، وبالكاد حدث لي في ذلك المكان الذي تهبط إليه بثلاث درجات، شيء يذكر. عوملت كجميع من رأيتهم هناك، يحقق معهم مثلي، لم يكن هناك أي إساءة في التصرفات أو الكلام. بعد أن طُلب مني الاقتراب والجلوس على طرف أحد السريرين الميدانيين في الغرفة، أجبت على أسئلة الاستمارة التي سبق وملأتها في هذا الفرع وسواه مراراً وتكراراً: "مواليدك.. عملك، أبوك، أمك، أخوتك، أولادك.. هل لديك أقارب في الجيش؟ (لا). هل أنت عضو في أي حزب أو منظمة سياسية؟ (لا)". بعد ذلك، انتقلت إلى مقعد مقابل شخص آخر، يبدو الأقدم بينهم، وبدون مقدمات "بصراحة" وجه لي تهمة الاتصال بشخص ما في الخارج، الأمر الذي لم أكن أتوقعه من بين عشرات الأمور التي كنت أتوقعها، غير أني أجبت بما حصل فعلاً، وهو أني تلقيت اتصالاً ولكني لم أجب. (لماذا؟)، لأن الجميع يعلمون أن الاتصالات مراقبة، وأنه بسبب مكالمات كهذه، قد استُدعِيَ وحقق مع عدد من أصدقائي، وربما كان منها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، الذي أكد لي البعض أنه لا أسهل بالنسبة للأجهزة المختصة من اختراقها، ووضع مستخدميها تحت المراقبة.

          ثلاث ساعات لا أكثر، لم يحدث فيها شيء ذو بال، كما دخلت خرجت، إلاّ أنه استغرقني بعدها ثلاثة أسابيع لأستطيع تمالك نفسي، وأستعيد ذلك الشعور الذي يسمح لي بأن أدعي أي شيء: "ماذا أنا لأكتب ويقرأني الناس؟ ماذا أنا لألتقي بأصدقاء وأتكلم أمامهم بآرائي وأفكاري؟ ماذا.. من أنا؟".

2- انخفاض في مستوى الخطورة

           لا أدري إلى أي درجة قد ساءني، أنه خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، وليس قبلها في الثمانينات مثلاً، حين كانت حفاوة الاستقبال لا تنسى، وكذلك في الفترة التي منعت فيها من السفر خارج القطر إلاّ بموافقة أمنية لمرة واحدة، عادة ما كان يلتقيني رؤساء الفروع أنفسهم، كما حصل سابقاً في هذا الفرع وسواه، أو أحد الضباط المكلفين بالموضوع الذي استدعيت بسببه. لكنني هذه المرة، استدعيت وحُقق معي، في تلك الغرفة الكئيبة التي يتم التحقيق الأوّلي فيها مع الجميع، ومن قبل أناس، بدوا وكأنهم موظفون، أكثر من عناصر أمن، حتى إني عندما قلت لأحدهم، بسب كثرة انشغالهم، بأنهم يعملون كموظفي البنوك. أجابني: "ياريت.. موظفو البنوك يعملون ست ساعات.. نحن نعمل اثني عشر ساعة.. وربما أكثر". حُقق معي ليس بكوني مثقفاً أو شاعراً أو شيئاً من هذا القبيل، بل فقط صاحب الهاتف النقال ذي الرقم (........) الذي أقررت..لا يستعمله أحد سواي، وقد تلقّى اتصالاً من أحد الأرقام المرصودة في الخارج.

"هذا الانخفاض في درجة استقبالك".. فسره لي صديق.. "يعبر عن انخفاض في مستوى خطورتك".

3-"Voi ch'intrat.. Lasciate ogne speranza"

          ما اكتشفته هذه المرة، أنه ليس فقط الخوف من الاستدعاء، والتحقيق، وكل ما قد يأتي بعده، مما ترتجف الأوصال وترتعد الفرائص لمجرد ذكره، فهذا لم يكن وارداً بالنسبة لي، وإن ليس مؤكداً. بل ذلك الشعور بأنك بمتناول اليد، في أي مكان وفي أي وقت، وبأنه يكفي الإشارة، كائناً من تكون، لتذهب بقدميك، وتضع حياتك وكل ما أنت عليه، رهن تصرفهم. لا شيء يحصنك، لا شيء لا شيء.. أنت لا شيء. دخلت وأمضيت ثلاث ساعات لا أكثر، عوملت كما يعامل الناس الذين رأيتهم هناك، والذين يوماً لم أدع ولم أرغب سوى بأن أكون واحداً منهم. إلا أني خرجت مغمساً بشعور.. أجد من الصعوبة، وربما الاستحالة، وصفه، فما بالك بالاعتراف به!.

          ما اكتشفته هذه المرة، بأنه ليس: "أيها الداخل.. اطرح عنك كل أمل"، كما كُتب على بوابة جحيم (دانتي)، بل.. "أيها الخارج".. هذا الشعور بالضعة.. بالخزي.. بالعدم فاغراً شدقه الأسود الكبير على هوة اليأس وفقدان الحيلة واللا معنى.. ما دفع (ر.ش) بعد استدعائه لساعتين أو أقل، و(ي.ن) و(م.ع) و(م.س) و(م.ح) بعد اعتقالهم لساعات، وأصدقاء آخرين بالمئات، ما دفع سوريين بالألوف، لمغادرة ما يسمى وطنهم..فهذا تماماً وطنهم.

4-إذن.. لماذا أنت باق؟

          وهذا تماماً أيضاً، ما باستطاعتي، رغم تصديقي به، رفضه.. وما أرجوه الآن هو ألاّ يأتي أحدكم ويقول لي: "إذن.. لماذا أنت باق؟"..

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".