هنا صوتك - محادثة مع الشخص الثالث - وليد نظامي

منذر مصري يكتب: نصيحتي..لا تجب على أيّ رقم أجنبي!

الاتصال-1:

        منذ ثلاثة أشهر.. أربعة..خمسة..لا أستطيع التحديد، رقم خارجي يرن على جهازي النقال، وبسبب بدايته بـ 33 خمنت أنه من أختي مرام في فرنسا، أو أحد أبنائها، أو، ربما صديق من أصدقائي الكثيرين هناك، ومع ذلك لم أجب. مرة ثانية يرن الرقم ذاته، أيضاً لم أجب.. عادة لا أجيب على الأرقام المجهولة، فكيف إذا كانت خارجية!.

لماذا!؟..أحقيقة لا تعلمون لماذا!؟.

الاتصال-2:

        بعد(الاتصال-1) بزمن يكفي ألاّ أربط بينهما. يرن هاتف بيتي الأرضي...عرفني المتصل على نفسه.. أمن (...)، ثم الأسئلة المعتادة عن أبي (متوف)، أعمامي (ليس لدي أعمام)، إخوتي (رفعت في السويد).. (عبد الله أخي من أبي!)، أخواتي (مرام..شاعرة في فرنسا). + هل سافرت إلى الخارج؟.. أين ومتى؟ - لم أخرج من سوريا طوال الستة أعوام الفائتة، سوى لزيارة ابني في الرياض.. لماذا هذه الأسئلة؟.. مهما أظهر المتصل من احترام، لن يخبرني.

 الاتصال-3:

        منذ شهر تقريباً، يتصل بي أحد أقاربي ويخبرني أن مختار مشروع (ص) سأله عني، وطلب رقم هاتفي النقال.. "أين المشكلة!؟ لا ينقصني إلاّ أن أخاف من المختار" قلت. رغم أني أعلم أن شيئاً كهذا لابد وأنه بطلب جهة أمنية.

الاتصال-4:

        الساعة 12 ظهراً.. رقم سوري يتصل بي، غالباً لا أجيب على الاتصالات المجهولة، هذه المرة فعلت..+ أنا مختار مشروع (ص)..الأخ محمد مصري!؟ - محمد منذر مصري.. صححت. +الأب شكيب..الأم خالدية.. أستاذ محمد أين بيتك؟ - لماذا؟..+هناك من يسأل عنك..- الأمن؟..+نعم..- شارع..أمام مخفر..بناية..طابق.

الاتصال-5:

        بعد اتصال المختار بربع ساعة تقريباً، رقم يتصل بي، ظننته المختار، ثانيةً، ولكن صوتاً آخر..+أنا(....) من أمن(...) أقف الآن عند مدخل البناء الذي يقع فيه بيتك، أرتدي بزة عسكرية..بانتظارك. كنت قريباً وجئت لأجده يقف مع شخص ثان، أظنه من أبناء الحارة يساعده في مهمته. +الموضوع..لديك مراجعة في فرع  أمن(....) قسم التحقيق، غداً أو بعد غد الساعة العاشرة صباحاً. يجب أن أعطيك ورقة ولكن لافرق.- لماذا لا نذهب الآن..(غايتي ألاّ أقضي الليل أحملق في العتمة مقلباً التفكير بالأسباب التي وراء هذا الاستدعاء).+..تأخر الوقت..غداً..وإن كنت مشغولاً..بعد غد..لا بأس.- غداً إذن.

 

        أخبرت بعض الأصدقاء، فطمأنوني بأن طريقة الاستدعاء تدل على أن الأمر ليس على درجة من الخطورة، ولو كان كذلك لجاءت دورية واعتقلتني..(أعرف هذا). وفي الحقيقة كنت قلقاً، أكثر من كوني خائفاً، ما عساهم يريدون مني الآن؟. لست متورطاً بشيء، ولا حتى بأعمال الإغاثة!؟ هنالك ما أكتبه من مقالات، القصائد لا يهتمون بها، آن الأوان ليقولوا لي:"نحن هنا"، وربما لينبهوني على بعض التجاوزات..هذا عملهم، فإن كنت قد اخترت أن أحيا في أحضانهم، كيف لهم أن يسمحوا لي بنتف ذقونهم؟..رغم حرصي ألاّ أقع في هذا المطب مهما أظهروا لي من غفلة. نعم، كان ومازال لدي القناعة، لاشيء تبدل..كل من يحيا في هذا المكان، محتم عليه  الحج إلى هذه الأمكنة، الحج مفتوح على كل الاحتمالات، أقلها البقاء في استضافتهم لأيام وربما لأسابيع وربما لأشهر، وبعدها تخرج ممتناً للجميع على حسن المعاملة!؟.

صباح..2/ 2017:

        أبكر من المعتاد بالنسبة لرجل متقاعد، ما أثار استغراب زوجتي، فاضطرني لإخبارها بالأمر، وبأنه مجرد سؤال وجواب. حلقت ذقني أمام المرآة وأنا مشتت الذهن، وارتديت ما رأيت أنه ثياب ملائمة، كما حرصت، لأول المرة، بأن أضع في جيب سترتي الداخلي 3 مغلفات من الأدوية، وفتحت باب البيت، وخرجت. كما رأيت منذ 37 عاماً جارنا في بيت أهلي (ه.ش) يفعل تماماً، فغاب 16 عاماً، ليموت بعد عودته بأشهر. إلاّ أنني اتصلت بصديق لديه سيارة، ليوصلني إلى هناك. ليس لأن المكان يقع في الطرف الشرقي البعيد للمدينة فحسب، بل لحاجتي لرفقة مواسية. الذي أفهمني، لو أنني ذاهب لغرض آخر، لاعتذر بالتأكيد، فأزمة البنزين في أشدها، وبالكاد يكفي ما في خزان سيارته لتوصيلي وعودته. مذياع السيارة يكذّب اتهامات منظمة العفو الدولية، بإعدام 13 معتقل في سجن (صيدنايا).."بالتأكيد..ليس صحيحاً"!؟.. يطمئنني صديقي. الذي يوقف سيارته ويسألني إذا كنت أرغب بأن ينتظرني؟ - تنتظرني!؟..إذن..حين أخرج..أتصل بك.

        في الساعة العاشرة وبضع دقائق، كنت أدفع بهويتي ليد شخص يجلس في (براكة) عند بوابة الفرع، نقل منها إلى دفتره اسمي الثلاثي، وبجانبه تاريخ وساعة دخولي، وبعد أن طلب مني إطفاء هاتفي النقال وتسليمه. سألني ما إن كنت أحمل مسدساً أو أي شيء يستدعي التصريح عنه. من هيئتي لم ينتظر مني جواباً، مشيراً لي بالدخول..

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".