ANP - مكتبة.

محمد الأصفر يكتب: لن نترك الكتاب جائعاً!

في الحرب تتوارى الكتب وتطل النار، عبارة ليست صحيحة، فالكتاب في كل الأحوال هو المنقذ، هو الماء المنسكب على الكراهية والحقد والجهل، وعلى الرغم من أن جل المكتبات الكبيرة في بنغازي بما فيها دار الكتب الوطنية واقعة في أماكن مشتعلة، إلا أنها لم تستسلم وفتحت أبوابها من جديد في أحياء أخرى آمنة لتقدم زادها المضيء للحياة.

ورغم الحالة السيئة التي تعيشها البلاد من عدم توافر السيولة وارتفاع أسعار السلع الضرورية وأسعار الكتب أيضا بسبب جلبها من مصر وبيروت بالعملة الصعبة، إلا أن القارئ لم يتخلى عن مكرمة اقتناء الكتاب ولو كان ذلك على حساب قوته، فهو يعرف جيداً أنه ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان أو بتعبير آخر يرفض مهما كانت الظروف أن يترك الكتاب جائعاً لقارئ.

معارض كتب كثيرة جرى تنظيمها في المدارس والجامعات في المجمعات التجارية بل حتى في الشوارع والساحات العامة، أيضاً هناك مبادرات كثيرة لنصرة الكتاب رسمية وأهلية، شباب ينقذون كتب خزنت في أماكن غير مناسبة وبطريقة سيئة تؤدي إلى تلفها، فنظفوها ورمموها وأعادوها إلى الحياة، فعلوا ذلك بحب وحماس وكانت الكتب سعيدة جداً بهم لن تنسَ أصابعهم وهي تعاملها بحنان ،ولا عيونهم المترقرقة فرحاً.

وعندما تم مصادرة شاحنة مليئة بالكتب في إحدى البوابات، كل عشاق الكتب احتجوا وناضلوا وأقاموا الدنيا ولم يغمض لهم جفن حتى تحررت الكتب لتكون بين يدي القارئ الرافض لكل الأوصياء، فهو وحده من يقرر أن هذا الكتاب جيد أو سيء، فإن كان الكتاب سيشعل شمعة فسأضمه وإن كان سيشعل حريقاً فسأقنعه أنه على خطأ.

ليست المكتبات التجارية فقط من تعرضت للضرر، أيضاً المكتبات الخاصة في البيوت التي اضطر سكانها للنزوح عنها فجأة بسبب الحرب وما حوته من مخطوطات نادرة وكتب ثمينة موقعة بأقلام كتابها، تعرضت للضرر أكثر حرقاً ونهباً وانتهاك خصوصية وقح، فعندما تحررت بعض المناطق في مدينتي من قبضة الإرهاب عاد سكانها إليها، أحدهم وجد شقته قد نهبت وحرقت ولم يبق فيها سوى بعض الكتب على أحد الأرفف، كانت الكتب تبتسم لعودة حبيبها وهو يقترب منها بلهفة، صرخت فيه توقف Stop لقد سمعت أميرهم يهمس احرقوا كل شيء فيما عدا الكتب هذه، وبعد أن تصفحنا والتقط من وسطنا بعض أوراقك التي تحتفظ بها داخل قلوبنا دس في وسطنا شيئاً يابساً رائحته عدم، لقد عرفوا أنك تحب الكتب وهي أول ما ستتفقده في البيت حين تعود، لقد حرقوا كل شيء وأبقونا ليس محبة فينا، بالطبع لن أشرح، لعلك فهمت فلتؤجل العناق حتى تحضر الهندسة العسكرية.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".