هنا صوتك - سوريون يستعينون بستائر الأمم المتحدة لتغطية سياراتهم / دمشق.

ديما نقولا تكتب: تجارة المعونات تزدهر في جيوب التجار وبسطات الفقراء

في هذا الشتاء، أخبرتني سيدة، خرجت من دوما في ريف دمشق منذ حوالي العام، أنها تقطن بمنزل "على العظم" (دون إكساء كامل)، بإيجار يفوق نصف راتبها، فهي تعمل لإعالة أطفالها بعد وفاة زوجها، لتعيش العائلة في منزل، تجد على جدرانه فتحات يخترقها الهواء، وفي كل مرة كانت الأم تحاول الحصول على "شادر" (ساتر من النيلون) من المعونات الإنسانية؛ لتسد هذه الفتحات، إلا أنها لم توفق بذلك لعدم توافر "الشوادر" في الجمعية القريبة منها؛ كما كان يقال لها..

في مشهد آخر نقيض، تجد تاجراً في الحميدية بدمشق، يبيع على صفحات الإنترنت تلك الستائر ذاتها، التي توزع مجاناً، بمبلغ يعادل 7 دولارات.

وبكل الأحوال إن سرت في شوارع العاصمة تجد شوادر منظمة الأونروا في كل مكان؛ إلا في الأماكن التي قد تحتاج إليها، كأن تستخدم سقفاً لأكشاك البيع أو غطاء لحماية السيارات.

هذه المفارقات اليومية ذاتها تجدها كل يوم في زوايا دمشق، فبينما تصل المعونات لأشخاص لا يحتاجونها، تعتمد الكثير من الأسر المهجرة في المدينة اعتماداً كاملاً على ما يقدم إليها من مساعدات توزعها الجمعيات الإغاثية بالتعاون مع المنظمات المانحة، فالسلة الغذائية المتضمنة لمواد أساسية، كالحبوب والبقوليات والأرز والزيت والسكر، تشكل سنداً للكثير من الأسر التي لم تعد تتحمل كلفة شراء تلك المواد من الأسواق في ظل الغلاء المسيطر. ناهيك عن فرشات المعونة التي ساهمت بكسوة الكثيرمن البيوت الفارغة، وحتى بعض الأرصفة والحدائق العامة لمن لا يجد مكاناً للمبيت، أما البطانيات فلها قصص أخرى، حيث استفادت منها العوائل في التدفئة، فيما حولتها الكثير من النساء لملابس نوم للأطفال أو الرجال، ولسجادات صغيرة وكنزات شتوية ببعض مهارات الخياطة..

يبقى السؤال هنا: ما شعورك ورأيك حين ترى تلك المواد الغذائية والمساعدات تباع على أرصفة "شارع الثورة" في مركز المدينة، أو على البسطات والصفحات الإلكترونية، بينما من المفترض أن توزع مجاناً؟!

قبل أن نطلق أحكاماً أخلاقية؛ ربما من الواجب أن ندقق في الأشخاص ممن يبيعون هذه المساعدات وبأهدافهم، فالبعض يتاجر بقسم من حصصهم الإغاثية المستحقة، والتي قد يحتاجونها ليحصلوا على مبالغ مالية؛ يسدون بها احتياجات أخرى، والبعض يبيعها لأنها وصلت إليه وهو لا يحتاجها، وبكل الأحوال هذه السلع تلقى استحساناً فهي أرخص من أسعار السوق وتتمتع بجودة معقولة، فهل الغاية تبرر الوسيلة؟ أم علينا الالتزام بالمعيار الأخلاقي الذي يفرض بديهياً عدم بيع سلع مجانية؟.

لكن كيف نفرض معياراً أخلاقياً صارماً على أشخاص، مارست عليهم الحرب كل معاييرها اللاأخلاقية؛ من تهجير وموت وفقر؟.

لم يعد بإمكاننا تطبيق المعايير الإنسانية بشكلها المطلق؛ كأن نقول لماذا لا يعطي كل من حصل على المساعدات، الفائض لديه، لجيرانه أو أقاربه دون مقابل، فهو حصل عليها بالمجان؟، لا يمكننا تطبيق ذلك في بلد؛ بات فيه الناس يتقاتلون للقمة العيش والدفء والكهرباء.

السؤال الأهم؛ من المسؤول عن بيع هذه المعونات؟.

على الرغم من فرض شروط لتوزيع هذه المعونات، كأن يكون الشخص مهجراً من منزله ويقطن بالإيجار، ولا يملك أي سجلات تجارية أو صناعية، وأن تكون كمية وزمن توزيع المعونات متناسبة مع عدد أفراد الأسرة؛ إلا أن الخروقات لاتزال تحدث وربما بطريقة قانونية، ولا يخفى على أحد؛ أن هذه السلع تباع وبشكل علني، وتصل للبعض كهدية، أو "تبييض وجه" مع مسؤول أو ضابط ما، لتجدها تتكدس في منزله، ويهديها، أو يمنّ بها على أشخاص آخرين، وليس الوضع بأفضل في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، حيث يتم التحكم بهذه المعونات وبيعها بأسعار خرافية في كثير من الأحيان.

ولا يقتصر الأمر على المعونات الغذائية، بل للمساعدات الطبية نصيبها أيضاً، فالتجهيزات الصحية والأطراف الصناعية لمصابي الحرب؛ يفضل توزيعها لحملة السلاح والمقاتلين على حساب المدنيين المصابين.

ربما لا توجد إحصائيات دقيقة لكمية المعونات والتبرعات والمساعدات التي دخلت سوريا خلال سنوات الحرب، ولكن من الواضح أنها لو وزعت بشكل عادل؛ كانت لتغطي عدداً أكبراً من المحتاجين إليها، ومن الأكيد؛ لولا الفساد بتوزيعها؛ لما وجدناها بشكل أو بآخر تباع بأسعار يفرضها تجار الأزمات.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".