هنا صوتك - ما آلت إليه سينما الأهرام في اللاذقية / منذر مصري.

منذر مصري يكتب: سوريا مغلقة بسبب الإصلاحات!

سيأتي من سيقول: (سوريا مغلقة بسبب اللا إصلاحات).

شيئاً فشيئاً، تناقصت دور السينما في اللاذقية، كما تناقص كل شيء جميل فيها، من حجر وبشر ومشاعر، حتى كادت تختفي هي نفسها. فمن 15 صالة، شتوية وصيفية، مغلقة ومفتوحة يضيؤها القمر والنجوم، بعضها مختص بالأفلام العربية، وبعضها بالأفلام الهندية، وبعضها بالأفلام الأجنبية، إلى صالة واحدة: سينما (الكندي) التابعة للمؤسسة العامة للسينما، والتي كانت في الأصل سينما خاصة تدعى (الأمير) استولت عليها الدولة في السبعينات. ولكن ما إن بدأت الأحداث، حتى أغلقت هذه السينما الوحيدة الباقية، ولليوم أقرأ وأنا أعبر بها، ما كتب على لافتة ورقية بيضاء ألصقت على واجهتها: (مغلقة بسبب الإصلاحات)؛ فيا لها من إصلاحات تتطلب كل هذا الزمن.

لن أعود وأتكلم عن إغلاق دور السينما، وتحولها إلى أبنية ومتاجر، كسينما (دنيا) و(دمشق)، وأمكنة مهجورة وخربة، كسينما (الأهرام)، و (أوغاريت) الأجدد والأفخم في اللاذقية. رغم أنه من زاوية ما، يمكن اعتباره مؤشراً على المسار الاجتماعي والثقافي، وربما السياسي، الذي مضت به مدينة كاللاذقية، كذلك المسار العام لبلد يُفترض أنه يمضي في طور التنمية والتقدم، بل سأتكلم عن قضيتين أساسيتين يتضمنهما العنوان ذاته، وهما، أولاً: واقع أن سوريا اليوم، والأمس أيضاً.. بلد مغلق. وثانياً: عن الإصلاحات التي ينبغي أن تنفذ لتستطيع سوريا، والشعب السوري، وبتعبير أقل إشكالية، السوريون، بعد هذه السنوات الست المهلكة، أن يتلمسوا طريقهم للعيش المشترك، والمستقبل الآمن.

سوريا المغلقة

        ليس بالنسبة لي ولأبناء جيلي فحسب، بل لأجيال عديدة بعدنا، لم تكن سوريا سوى بلد مغلق. فالمرافئ، تلك البوابات البحرية، تكاد تكون أرضاً محرمة علينا، فلا يسمح بعبور بواباتها المحروسة من قبل الجهات الأمنية والجمركية والعسكرية، إلاّ للعاملين المصرح لهم بدخولها. أعرف (لوادقة) عاشوا وماتوا، ولم يصعدوا سفينة في حياتهم. أما رؤية البحارة والسواح، يتجولون في أسواق اللاذقية، فدائماً أشد ندرة من رؤية الملائكة يلعبون كرة القدم في (إستاد) يسوع بن مريم.

        رافق هذا، الريبة بكل أجنبي دفعته رغبة ما للقدوم إلى سوريا (الوطن الثاني لكل إنسان في العالم).. يرددون حتى تكاد، أنت نفسك، تصدق!. أذكر أن كاتباً وصاحب دار نشر جاء من أمريكا إلى اللاذقية، لمقابلة بعضاً من مثقفيها، أحدهم أنا، فأمضينا قريب النصف ساعة في مرسمي، نتحدث عن كل شيء ولا شيء محدد، وقد راعته مجموعة أسطواناتي لبوب ديلان، بعدها أمضيت ما يقارب الثلاثة شهور، أزور، بناء على دعوات خاصة، أحد فروع الأمن في اللاذقية، ومن ثم أحد مراكز الأمن في دمشق، يسألونني عن الحديث بيننا. وكان أكثر ما أثار استغرابهم؛ كيف، وأنا مواطن مثقف، لم أبلّغ الجهات الأمنية عن شخص أجنبي التقيت به!؟.

        وكأن السيادة في سوريا مرتبطة بالانغلاق، الذي تعددت أشكاله وأنواعه، أما اليوم فإن الأشد استفحالاً، برأي الكثيرين، هو انغلاق الحلول كلها..

الإصلاحات العتيدة

        أنا أحد السوريين، الذين صدقوا؛ لو أن النظام السوري، قام بالإصلاحات التي أعلن عن الشروع بها، عام 2000 وما بعد، لاستطاعت سوريا تجنب المصير الكارثي الذي هي عليه اليوم، ما أوصل الجميع، وربما أهل الحكم قبل غيرهم، للتصديق بأن بنية النظام لا تسمح بأي نوع من الإصلاحات، فسرعان ما ظهر واضحاً فشل الإصلاح الإداري، وتبعته فوضى الإصلاح الاقتصادي، الذي أدّى برأي البعض لإفقار 45% من الشعب السوري، وخاصة سكان الأرياف. وبرأي البعض أيضاً؛ كان السبب المادي، والواقعي، الأشد عيانية، لانفجار البركان السوري. فكان هناك من اعتبر الحدث السوري (ثورة) الريف على المدينة. أمّا إصلاح الإصلاحات كلها، الإصلاح السياسي، تعديل الدستور، إيقاف العمل بقانون الطوارئ، إصدار قانون الأحزاب.. فقد أرجأه النظام وتركه طيّ أدراجه سنين عديدة، إلى أن اضطرّ مجبراً لتبنّيه، ولو جزئياً، استجابة للمطالب الشعبية المحقة للسوريين، باعترافه هو نفسه. ولكن، للأسف، حصل ذلك، بعد أن بدأت كتلة الثلج النارية بالتدحرج والتضخم، بحيث ما عاد يوقفها ويطفئها إصلاح أو إعادة إنتاج.

        اليوم، وبعد هذه السنوات الست الدامية، ليس سوى التغيير الجذري الحقيقي في بنية وآليات الحكم، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بكفيل لأن يضع سوريا الممزقة، والشعب السوري الشقي، على الصراط المستقيم..