هنا صوتك - فتاة سورية في خان أسعد باشا / دمشق.

هيفاء بيطار تكتب: المرأة المُختزلة كأنثى فقط!

منذ عقود لفت انتباهي تلك النظرة المُجحفة بحق المرأة؛ وهي اختزالها إلى أنثى فقط، وليس احترامها كإنسانة يحق لها أن تتمتع بكل حقوقها الإنسانية، بغض النظر عن جنسها، وللأسف فإنه في غالب الأحيان تكون المرأة هي العدو الأكبر للمرأة.

توقعت أن هذه النظرة للمرأة ستتقلص وتتراجع مع التقدم التكنولوجي وخاصة مشاركة المرأة في العمل، لكن ظلت هناك مفاهيم عميقة متخلفة معششة في عقول الرجال والنساء، وسأوضح بعض النقاط من خلال عملي كطبيبة في مشفى حكومي وفي مشافي خاصة لأكثر من ربع قرن:

أولاً: تُربى الطفلة، خاصة في عالمنا العربي، على أن النجاح في الحياة هو، أو يعادل، النجاح في الزواج؛ أي مفهوم العريس "اللقطة"، الثري، وذو الهيبة الاجتماعية النابعة من سلطة المنصب أو المال، دون النظر لمصدره. وما المثال التالي سوى أصدق تعبير عن مفهوم الرجولة والرجل الحلم لدى المرأة، فلا يهم أن يكون هذا الرجل محتالاً أو لصاً ذو سوية عالية؛ كأن يكون صاحب منصب ينهب من المال العام. ولا تهم أخلاقه، بل الضوء يسلط على المال الذي يحشو جيبه.

أما مفهوم النجاح بالنسبة للرجل، خاصة في عالمنا العربي، فهو نجاحه في عمله وليس في الزواج، فالعمل يحتل الدرجة الأولى بالنسبة إليه، وتأتي الأسرة في الدرجة الثانية، حيث يشعر أنه في أي عمر يمكن أن يكوّن عائلة، وببساطة يتزوج رجل الستين فتاة الخامسة والعشرين؛ بمباركة اجتماعية بشكل عام طالما هو ثري أو صاحب منصب.

ثانياً: بكل صدق واستناداً إلى العلم والنزاهة؛ فقد حضرت العديد من عمليات إعادة العذرية لفتيات من بيئات مختلفة، أثناء عملي الطبي، وبعضهن كن يأتين من دول مجاورة درءاً للفضيحة، وكنت أتعجب؛ كيف تستطيع فتاة، مدعومة بأهلها وبعقلية اجتماعية مدججة بالتخلف، أن تبدأ حياتها الزوجية مع شريك عمرها بالكذب.

ذات مرة، كتبت قصة إحدى صديقاتي التي حضرت عرسها، وكان زوجها طبيباً اختصاصياً في الجراحة من ألمانيا، إذ طلب منها ليلة العرس أن يفحص بكارتها بمصباح كهربائي؛ كي يتأكد هل أجرت عملية إعادة العذرية، أم أنها لم تفقدها بالأصل؟!.

السؤال هنا: لماذا شرف المرأة مرتبط عند النسبة العظمى من الناس بغشاء البكارة؟، لماذا لا يشعر الرجل أن شرفه مرتبط بجسده وحده؟ لماذا يربط إحساسه بشرف أخته وأمه وابنة عمه...، بينما المرأة لا تربط إحساسها بشرفها بجسد رجل!.

ثالثاً: الهوس بعمليات التجميل بمختلف أنواعها وبأعمار صغيرة، من ينظر إلى الفتيات في اللاذقية وبيروت وغيرها؛ يشعر أنه يرى نموذجاً موحداً للجمال، (أتحفظ عن اعتباره جمالاً لأنني أراه تشويهاً لنضارة الصبا)، كلهن فتيات بعمر الورود، بين 23 إلى 30، بشفاه منفوخة (شفاه البطة)، والأنف صغير، وأرنبته شاهقة إلى السماء مهما كانت ملامح الصبية، الرموش الاصطناعية، وأخيراً وشم الحواجب، وهو وحده يتطلب بحثاً؛ لأن الوشم غالباً ما يكون فوق أو تحت خط الشعر للحواجب الأصلية، إضافة طبعاً لنفخ الخدود.

أتعجب من الأهل كيف يسمحون لبناتهن بإجراء هذه العمليات، بل إن بعضهم يشجع عليها، معتقدين بأن تجميل ابنتهم؛ يجلب لها عريساً أفضل. هذا الإصرار على تسليع المرأة واختزالها كأنثى مُغرية فقط؛ هو أكبر انتهاك وتحقير لها، وللأسف تقع النساء في هذا الفخ، حتى أن بعض الشبان الذكور بدؤوا يقعون في حفرة التجميل ذاتها!.

من المعيب أننا نعيش زمن ثورة العلم وثورة الاتصالات، ونحرك في ذات الوقت تلك البحيرة الراكدة في أذهاننا؛ التي تختزل المرأة إلى أنثى فقط، مجردة من صفاتها الإنسانية، لمحاربة تحقيق ذاتها وما خُلقت لأجله. أجد أن من المخجل أيضاً استغلال مفهوم الأمومة نفسه، رغم أنني أم وأقدس الأمومة، في سحق المرأة وبأن أهم واجب وأكبر تقدير وتقديس لها أن تكون أماً فقط، لماذا الجنة تحت أقدام الأمهات!، وليست تحت أقدام المبدعات أيضاً!، بل على العكس فإن المرأة المبدعة والتي تحقق ذاتها توصف بالاسترجال ولا تكون مرغوبة في سوق الزواج.

وأخيراً.. العلم أثبت أن المرأة والرجل يتساويان في القيمة الفكرية والنشاط العقلي والأهم الذكاء؛ لأن التلافيف الدماغية لديهم واحدة، رغم كبر دماغ الرجل قليلاَ عن دماغ المرأة، ومتعادلان ومتساويان في الجوهر الإنساني ولو اختلفا بيولوجياً.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".