ديما نقولا - طفل سوري في دمشق.
هنا صوتك - ديما نقولا / طفل سوري في دمشق.

ديما نقولا تكتب: في دمشق الفقيرة.. أطفال ومسنون يُهجَرون!

في أواخر العام الماضي، من بين جميع الأخبار والمقالات والنكات، استوقفتني صورة رضيعة على صفحة الفيسبوك، تم العثورعليها في ليلة صقيعية في أحد أبنية الحلبوني بدمشق، كانت زهرية اللون لم يتجاوز عمرها الساعات، لا يكسو جسمها إلا غطاء صغير. انتشرت صورة الطفلة في محاولة للبحث عن أهلها على جميع المجموعات والصفحات الأخبارية، ثم تم تحويلها إلى قسم شرطة المرجة في المدينة، فكرت في نفسي أني أريد هذه الطفلة، أريد أن أكون أماً لها!، وبعد جدال يومين مع زوجي في محاولات لمناقشة فكرة التبني ككل، اتفقنا على كفالة هذه الطفلة، ركضت مسرعة إلى دار الأيتام، التي تم نقل الطفلة إليها، لتضحك العاملة وتقول لي: لقد تأخرت؛ الطفلة تُبنيت بعد ساعات قليلة من وصولها.

حزنت لأني خسرت طفلتي وسعدت لأنها لم تبق وحيدة، كنت أقول في نفسي: "الحرب تغير كل شيء"، هذه جملة عامة متشعبة، فربما الحرب تجعل الأمور تطفو للسطح أكثر!.

 في كل حدث تغيره الحرب، تتغير آلاف النتائج وتتشعب آلاف التفاصيل، ففي آخر دراسة أعلنت الأمم المتحدة أن معدلات الفقر تضاعفت 3 مرات منذ اندلاع الحرب في سوريا، وأن حوالي 80 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر الآن.

 هناك آلاف النتائج المستخلصة من هذه الدراسة، تنعكس على الأطفال والنساء والشباب في كافة المجالات والقطاعات المعيشية والتعليمية والمهنية.

ولكن هل نظرنا يوماً للتفاصيل الدقيقة التي ستنتج مستقبلاً آثاراً مدمرة؟

عن أية تفاصيل نتحدث؟

في الآونة الأخيرة إن تابعت الأخبار المحلية، تلاحظ  أنه يتم العثورعلى طفل أو مسن ضائع خلال فترات متقاربة، أي أن معدل تكرار الحدث بازدياد.

تتلاحق صور أطفال بعمر السنوات تم العثور عليهم وتعميم صورهم (وبعض الأطفال من ذوي الإعاقات) والبعض حتى الآن لم يتم العثور على ذويهم، ومن الأكيد أن هناك العديد من الأطفال التائهين الذين لم تصل صورهم حتى إلى منصات الإعلام، آخرها ربما يكون الأطفال أكثر حظاً بقليل فهناك من يرغب بهم، أما المسنون فهم عكس ذلك لأسبابهم الصحية والنفسية.

في آخر حادثة انتشرت تم العثور على امرأة مسنة مريضة تائهة، تم نقلها إلى مشفى المواساة بدمشق في البداية، وكانت تكلفة إقامتها حوالي 5 دولارات يومياً، قام بعض الأشخاص بتكفل المبالغ لعدة أيام، ثم أخرجت، ولم يتم العثور على ذويها حتى الآن.

تكرار الحوادث وعدم العثور على الأهل، رغم انتشار الأخبار على صفحات الفيسبوك التي يزورها الجميع ورغم تعميم الأخبار في أقسام الشرطة والجوامع والمنابر المختلفة، يجعلك تتساءل هل حقاً هؤلاء أطفال ومسنون "تائهون"؟ أم "تم التخلي عنهم"؟.

إن مشيت في شوارع دمشق أيضاً ستجد أطفالاً ومسنين بقرب أهاليهم ولكن تم تركهم يخوضون الحياة يتامى!.

استوقفتني طفلة نائمة لم تتجاوز العاشرة من عمرها على الرصيف في شارع بغداد بدمشق، أيقظتها لأني في قرارة نفسي خشيت ألا تكون نائمة وحسب، كان الوقت ظهراً والأطفال عائدون من مدارسهم والحقائب على ظهورهم، وهي تحمل علبة بسكويت وعلى ظهرها ثقل الحياة كاملاً.

هؤلاء أيضاً تم هجرانهم، وانتهاك حقوقهم بالتعليم واللعب، ولكن هل باستطاعتنا أن نلوم الأهل على هذا؟، أم نلوم الفقر والجهل؟، نلوم الحرب؟، نلوم دولة ومؤسسات غير قادرة على حمايتهم؟، أم نلوم مبادرات ومعونات تكاثرت كالنار في الهشيم ولم تصل لمستحقيها؟.

هل ندرك حقاً أن هذه الفترة التي يعاني فيها الأطفال من التخلي ستنتج مستقبلاً مظلماً؛ ستنعكس آثاره النفسية والجسدية على جيل ومجتمع كامل؟.

هل ندرك أن الشخص القادر على التخلي عن طفله أو والديه، شخص قادر على فعل أي شيء مهما بلغت قسوته وعنفه، حتى ولو كانت الظروف هي من أجبرته على ذلك؟.

ورغم أن "الإنسان لم يخلق وحشاً أسوأ من الحرب"، إلا أن لعن الحرب لا يكفي، ولوم الأهل دون أن نأخذ بالحسبان كل هذا الفقر لا يكفي، لعلنا إن بدأنا بتسليط الضوء والمساءلة وتوجيه المبادرات باتجاهها الصحيح سنغير ولو مصير طفل واحد كل عام، وهذا في وسط الخراب إنجاز!.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".