هنا صوتك - قلعة حلب / أرشيفية.

منذر مصري يكتب: قدّ حلبي على مقام الأبد!

ها قد وقعت في يدي.. ها قد وقعت في يد خائن الزمن.. يا ناسية.. يا قاسية.. يا عاصية. يا من سكنت بك أربعة أعوام، ولم تدخليني بيتاً من بيوتك، ماعدا بيوت أرامل وعجائز أقمت في غرفها منفياً، وغادرتها منسياً وعلى كتفي غبارها. أربعة أعوام، لم تلتفت لي صبية، فما كان لي من خيار سوى أن أرمي شباكي، دون جدوى، على فتيات غريبات قادمات من مطارح سورية بعيدة، خارج حدودك، مثلي.

أربعة أعوام وليس لدي صورة تجمعني مع صديق في مقهى، أو واقفاً بجانب نصب في ساحة، أو جالساً على مقعد بجانب لا أحد في حديقة عامة. أربعة أعوام، دون لقاء، دون موعد، دون رسالة، دون ذكرى عاطفية واحدة منك. يا أقفالاً موصدة.. يا أبواباً مغلقة.. يا جدراناً عالية.. يا صخرة.. يا صامتة.. يا صائمة.. يا صامدة.

يا حلب.. يا جلداً سميكاً جافاً.. يا حراشف حجرية.. ولكن ما إن ينجح أحدنا بثقب قشرتك السميكة، ما إن تدعيه يثقب قشرتك القاسية، حتى تقدّمي له هريسة فستقك، و"مامونيتك" الدافئة، ومربى كرزك الأسود، وقطرك المهراق، وقشطتك، وسمنك الحديدي. أنتِ التي بخلت عليّ بكل شيء، ثم انتظرتِ حتى أبلغ.. وأنضج.. وأفهم.. وأقدر.. وأستحق، لتدلقي عليّ كلّ شيء.

يا لؤي كيالي.. يا من أبى أن يكلمني جالساً وأنا واقف، وقال لي، وأنا أنتقد رسمه ليدي المرأة الحامل: "باكراً عليك الحكم على رسم الأيدي يا منذر". وفي مناسبة أخرى، ظل صامتاً، وأنا أتكلم مسفّهاً سيدة انهارت بالبكاء أمام إحدى لوحاته، إلى أن انتهيت من كلامي تماماً، ليسألني: "وهل حقاً تعلم معنى الدموع؟". يا من مات، أّي صدفة!، في الغرفة المجاورة لغرفة أمي، في مشفى حرستا- دمشق- أيلول/1978/. محترقاً بلفافة تبغ.. أو بلفافة وطن؟. يا فاتح المدرس، يا رسام الهضاب الشبيهة ببطون الفلاحات الحوامل.. والقباب الشبيهة برؤوس الجنود.. والأشجار الضائعة في البراري.. يا من قال لي: "لا هم لي.. في فني.. سوى العدل". يا حلب الرسامين المنزويين وكأنهم في سوريا أخرى، وحيد مغاربة، وسعد يكن، ويوسف عقيل، وزهير دباغ، وأحمد برهو، ونهاد ترك، وأحمد عائشة، الذي غادر سوريا نتيجة معركة مع أهالي باب الجب الأحمر، عندما استدعاه الأمن الأخلاقي، بسبب استضافته لعجوزين إنكليزيين، في البيت الشرقي الذي رممه هناك. يا مأمون صقّال.. يا أفضل رسام خط عرفته سوريا، يا من علمني: "عندما يصير لديك خط قوي يصير لديك لون قوي". ثم بعد عشرين سنة من سفره، جاء ذلك المعماري الأمريكي الشهير، للمشاركة في أسبوع العلم الذي أقامته جامعة حلب، في أوائل التسعينات من القرن المنصرم، وفاجأ الجميع عندما قال: "قبلت الدعوة، وأتيت، يدفعني الفضول لأرى الجامعة التي تخرج منها المعماري (مأمون صقّال)". يا شعراء النسيان والهامش والفقدان؛ محمد فؤاد.. بسام حسين.. حسين بن حمزة.. عمر قدور.. لقمان ديركي.. عبد السلام حلوم.. صالح دياب.. خالد خليفة.. وصلاح داوود؛ الذين كانوا يتقاسمون فاتورة العشاء حين يستضيفونني في المطعم العمالي، بعدها ينظر (لقمان ديركي) إلي ويصيح: "من ثيابه تعرفون أنه شاعر".

يا من جئتِ من حلب إلى اللاذقية في ذلك الطقس العاصف، ووقفت على قبر أبي وقد انقضى على وفاته ثلاثة أيام، وبكيت وأنت تقولين: "أعرفه جيداً فيك". ويا من صعدتِ إلى غرفتي في الفندق السياحي، وجلستِ في الشرفة الغربية الضيقة، المطلة على ساحة سعد الله الجابري، التي يتوسطها النصب التذكاري (الشهداء) للنحات عبد الرحمن مؤقت، ورحت تغنين لي قدّاً حلبياً، فجاءني اتصال من موظف الاستقبال، يطلب مني إخراجك من الغرفةً. ويا من صعدتِ درج بيتك في الطابق الرابع قفزاً، ونزعتِ غطاء السرير وصنعت منه علماً سورياً، لترفعيه على رأس مظاهرة طلابية. يا خادمة، يا عاملة، يا حاملاً، يا أمّاً.. يخصص مواليدها للعناء والغناء. يا حلبية بيضاء ذات شعر أسود وعيون كحلاء. يا حورية العين التي وعد اللـه بها أهل الجنة، يا مشتهاة، يا من يشتهيك الموت، ويا من تستعصين على الموت حتى ولو اشتهيته، وحاولت الانتحار، مخلفة ندبة جميلة على خدك. يا متلبدة.. يا عابدة.. يا متمردة.. يا حائرة.. يا ثائرة.. يا من لا يجدي معك قيود.. ولا يوقفك حرّاس.. ولا تمنعك أسوار.

يا حلب.. يا كليمة.. يا نازفة.. يا يتيمة.. يا أرملة.. يا ثكلى.. يا شهيدة... يا من تبقين، بعد كل شيء، ورغم كل شيء، منتصبة.. وقلعة.. وحيّة.. و... آبدة.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".