ANP - مكتبة إسلامية في العاصمة السورية "دمشق". 30-01-2006

رياض نسيم حمَّادي يكتب: أوهام الحداثة والتراث!

للحداثة في أذهان البعض صورة تقليدية هي النقيض من التراث دونما اعتبار لمواقفها المختلفة منه. ويهمنا في هذه الإطلالة الموجزة على مراحل الحداثة أن نقف عند مواقفها الثقافية من التراث. فقد بدأت (الحداثة) بالقطيعة مع التراث، وجاءت مرحلة (ما بعد الحداثة) لتعمق هذا الموقف الثقافي مُطالبة بالخلاص من التراث، كالدعوة إلى استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية. أما مرحلة (بعد ما بعد الحاثة) فقد تصالحت مع التراث وجعلته شريكاً في الحاضر.

صراع التراث والحداثة قائم على توظيف التراث كسلاح أيديولوجي. أما القطيعة الحداثية فلا تعني قطع كل صلة به، بقدر ما تعني النظر إليه لا بأسلوب تمجيدي – يُظهر محاسنه ويخفي عيوبه، كما يفعل عشاق التراث- بل وفق منهج نقدي يكشف عن حسناته وسيئاته. والهدف ليس التقليل من شأن الماضي ولكن الشك في قدرته على أن يلعب دوره في الحاضر بالفعالية الماضية نفسها.

القطيعة ليست مع مفهوم التراث، فهو متنوع. فهناك تراث أدبي وفلسفي وديني، وهو على هذه الحالة من التنوع غير متجانس بل ومتضارب. ولكنها قطيعة مع معنى التراث حين يقف عائقاً أمام التقدم. والقطيعة لا تعني حرق الكتب وتحطيم المنابر أو إلغاء البعد الروحي بقدر ما تريد اعتماد مرجعيات عقلية وعلمية والكف عن استعمال التراث عصا سحرية لتغيير ما لا يتغير إلا بالبحث والنظر في الواقع وبعيون معاصريه.

تبدأ القطيعة بالكف عن اعتبار التراث سلاحاً أيديولوجياً من أسلحة الكفاح الحضاري، والنظر إليه، عوضاً عن ذلك، كمفهوم ثقافي له أبعاد تاريخية ومعرفية. القطيعة بهذا المعنى ليست مع التراث كمنتج ثقافي ومعرفي، له ما له وعليه ما عليه، وإنما مع توظيفه كلياً أو جزئياً في معركة حضارية لم يعد لها كثير ارتباط به، خصوصاً حينما يقدمه أنصاره كمرجعية حصرية للنهضة.

في المقابل، مرت دعوات العودة إلى التراث بمرحلتين رئيسيتين: دعوة رومانسية تتسم بالحنين وتعتبر التراث كتلة متجانسة صالحة لكل زمان ومكان، ودعوة تجمع بين "الأصالة والمعاصرة". والدعوة السلفية تعني الإتباع وعقم المعاصرين عن الإبداع. أما المدافعون عن التراث، بخطاب عقلاني ظاهرياً، فيدافعون عن اللاعقلانية حين يُقدمون الأصالة على المعاصرة. وبذلك تشترك الدعوتان في غياب الرؤية التاريخية والاجتماعية للتراث. والقطيعة الحداثية في مواجهتها لهذا الفهم تُقدم المعاصرة حين تعطي الأولوية لحركة التاريخ وصيرورة الواقع الاجتماعي.

الدفاع العقلاني عن اللاعقلانية يُعد هروباً من الواقع، ويهدف إلى التوافق مع الماضي على حساب اختلال الحاضر. وما يُرجح انتصار العقلانية المستنيرة في نهاية المطاف هو إلحاح الواقع الذي لا يسمح بالفرار منه إلا بالتحطم على صخرته، بحسب طرابيشي. يمكن للأصالة والمعاصرة أن تتحول من شعار إلى واقع وذلك بالانفتاح على الحداثة، وفهم الأصالة باعتبارها الفكر وهو مرتبط موضوعياً بواقع تاريخي واجتماعي مُعيّنين، ومعنى المعاصرة أن تجد الحداثة في ذلك الفكر انعكاسات لها من نوع خاص. وبهذا تقف الحداثة وسطاً بين نوعين من الاغتراب: تبعية الحاضر للماضي، وبتر الحاضر عن الماضي، بحسب حسين مروة.

العرب بإدارتهم لمعركة وهمية بين الماضي والحاضر يخسرون المستقبل. فالخلاف ليس حول العودة إلى التراث، بل في الغاية منها. فغاية الإسلاميين تصنيم التراث، أي الاستمرار في تكريس التاريخ كعبء على التراث، وغاية الحداثة تحرير الحاضر من قبضة الماضي المحكمة، بالنقد التنويري وإعادة تكوين التراث، وتحرير الرسالة من عبء التاريخ، أو "انتفاضة العقل المُكوِّن على العقل المكوَّن"، بحسب جورج طرابيشي. وتبقى الإشكالية: من يقوم بهذا الدور، إذا كان التنويريون بحاجة إلى تنوير، بحسب علي حرب!.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".