محتجون يتظاهرون ضد الفساد في العاصمة اليمنية صنعاء. 11-02-2014
ANP - محتجون يتظاهرون ضد الفساد في العاصمة اليمنية صنعاء. 11-02-2014

عبدالعزيز البدوي يكتب: رغم الإخفاق يكفي أنها ثورة!

بعد مرور خمس سنوات على ثورة فبراير التي انطلقت لإسقاط نظام الرئيس صالح، حدثت تغيرات جذرية في مواقف الكثير من أنصار الثورة، لدرجة أن بعضهم كفر بمشروعها، والتحق بصفوف أعدائها تأثراً بالأوضاع المأساوية التي ولدت عقب قيام تلك الثورة، كما أن هناك جمهور واسع من جيل الآباء، والأجداد، يحمّلها (أي الثورة) كامل المسؤولية عما لحق بالوطن من كوارث، وأزمات سياسية.

في الواقع، إن ثورة فبراير كانت مشروعاً حضارياً، وتقدمياً، لو كتب له النجاح، وذلك لأنها انطلقت بمطالب مشروعة، وأهداف نبيلة، وقف لها العالم إجلالاً، وإكباراً، خصوصاً وهي  تحمل طابعاً سلمياً من شعب يمتلك ترسانة سلاح مهولة، بيد أن الظروف، والمناخ المحيط باللعبة السياسية في البلاد، كانا قد فرضا نفسيهما على يوميات الثورة ومكوناتها، إذ أن معيار الولاءات السياسية، والعقائدية للكثير من مكونات الثورة قد طغت على الفعل الثوري، ونفثت فيه روح الشتات الخبيثة، لتغدو الثورة كشعار ظاهري رنان تتمترس خلفه مآرب شخصية صغيرة لذوي المصالح، والمكاسب الشخصية الضيقة؛ رغم أنف المستقلين، والبؤساء الذين حازوا قصب السبق في تفجير الثورة.

النتيجة أن الثورة فشلت، بل وصنفت في إطار ضيق لم يرق إلى ثورة كبرى ناجحة، كون الثورات الكبرى الناجحة هي تلك التي تلغي الهياكل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية بالكامل. 

نعم أخفقت ثورة فبراير في اجتثاث سرطان الفاسد المستشري في أروقة الدولة، وعجزت عن خلق مناخ ثوري يترصد لكل مظاهر الفساد، ويتولى بترها تحت راية الثورة الطاهرة، لأن مشروعها، وأهدافها جُيرَت لصالح القوى التقليدية التي ركبت موجة الثورة، وسارعت للتخلي عن مطالب الثوار بمجرد أن دغدغ صالح مشاعر تلك القوى بالعديد من التسويات، والمحاصصات، والتي تبين مؤخراً أنها عروض ملغومة، وُئِدت بموجبها الثورة، واكتفى لصوصها بفتات من سلطة مؤقتة تقاسموها مع صالح حينذاك، لتذهب أحلام الثوار الشرفاء وآمالهم أدراج الرياح.

استطاع صالح تفكيك قوى الثورة بالتحالف سراً مع بعضها، والإبقاء على المؤسستين العسكرية، والأمنية في قبضته، ليتمكن لاحقاً من تصفية حساباته مع الثورة بدءاً بلصوصها، وانتهاءً بأتباعها، عن طريق إفساح الطريق لجماعة الحوثي المسلحة للسيطرة على عموم البلاد بالحديد، والنار، ومن ثم تعميم الحرب على كافة تراب الوطن المتهالك. 

يحسب لصالح ذكاؤه في الحروب، بدليل خروجه بأقل الأضرار من صراعه مع الثورة، مقابل فرار خصومه التقليديين الذين نصبوا أنفسهم كقادة وأوصياء على الثورة المغدورة. 

إن الثمن الباهظ الذي تدفعه اليمن اليوم هو نتيجة حتمية لأي ثورة يمتطيها الأوغاد في سبيل مصالحهم على حساب ملايين من الفقراء، والمعوزين الذين قدموا كقرابين لصراع الثورة مع النظام المستبد. 

لا جدال في أن الثورة فشلت، وتعرضت لهزيمتين، داخلية من القوى التقليدية التي ركبت موجتها، وخارجية من نظام صالح ودولته العميقة التي تمكنت من تشويه الثورة، وإلصاق مختلف النعوت القبيحة بها، لكن رغم كل إخفاقات الثورة، ورغم مساوئ أدعيائها، ولصوصها، نستطيع القول إنها نجحت في إزهاق مشروع صالح التوريثي، وكشفت الزيف الديموقراطي الذي كان يسوقه صالح في خطبه، وتصريحاته، وبينت بجلاء حجم الديكتاتور المتمترس في أعماق الحاكم اليمني خصوصاً، والعربي عموماً.