منذر مصري - لوحة جلسة الأربعاء

منذر مصري يكتب: صارت وصارت؟

رحل لي صديق، بل أصدقاء عديدون لي رحلوا.

(غ.س) كما النهر ناقل سيئ للبضائع، يقول الشاعر ت.س إليوت، كان (غ.س) خازناً سيئاً للمشروبات الروحية، كنا نودع عنده للأسبوع القادم الفائض من الروحانيات المعبأة في زجاجات؛ ونعود ونبحث عنها، هو نفسه لا يدري أين ذهبت!، نبّهني، أكثر من مرة: "صحيح أنك تصغرني سناً، ولكن ليس بأكثر من خمس سنوات". رحل منذ خمس سنوات، وذلك بعد أن رأى ما كان يراهن الجميع؛ على أنه لا محالة آت.. وأتى.

(و.أ) الأرمني-السوري-الشيوعي، عندما واجهت صديقه (حنا مينه) برأيه المخالف له /180/درجة حول ما يجري في سوريا، تفسيراً وموقفاً؛ أجابني: "للأسف.. بقي (و.أ) شيوعياَ كلاسيكياً". فما كان مني إلاّ أن صحت: "إذا كان الشيوعيون الكلاسيكيون هكذا حقّاً... فيا لحسن الحظ".

(ب.ي) عبَر حاجته لزوجة وأبناء خلال إقامته (الإجبارية – الاختيارية) الطويلة في الزنزانة، مكتفيا بأولاد أخته وأخيه أبناء له. قلت (الاختيارية)، لأنه قال لأبيه الذي جاء ليخرجه من السجن، بشرط تقديمه مناشدة شخصية: "الحرية حلوة يا بيي.. بس الكرامة أحلى". بعدها خالف رأي رفاقه في قضية التسلّح والتدخّل الخارجي.. ورحل مبتسماً رغم معاناته من مرض عضال، دون أن يفقد، للحظة واحدة، إيمانه العميق بأن سوريا ستعبر بجرحها وألمها، إلى الضفّة الحلم.

د(ب.ز) عاش ليكتب. كتب العشرات من الكتب القانونية والفكرية عن أهم القضايا التي تواجه العروبة والإسلام. طبع أغلبها على حسابه الخاص. ومن الكتب السبعة التي قدمها لي جميعها بذات الإهداء: "إلى الأخ العزيز الفاضل..."، كان أوّل وآخر ما قرأت؛ أصغرها حجماً وأشدّها تشويقاً: (ثورة منطقة الحفة- صهيون سابقاً- على المستعمر الفرنسي 1918)، الذي صدر في نهاية /2011/، في الوقت الذي كان أهل (صهيون) على عادتهم، كما وصفهم بنفسه، كخلاصة، في نهاية الكتاب: "فالصهيوني لا يرى أحداً فوقه، ولا يسلّم بإرادة تفرض عليه".

ثم (م.ن.س) أشدّنا عاطفية، وأوسعنا صدراً، و...أقلّنا تفاؤلاً. "مخاض طويل" كانت جملته المفضلة. أصرّ، قبل وفاته بأيام، على دعوتنا جميعاً إلى بيته، وسماع آرائنا حول مستقبل سوريا، رغبة منه أن يطمئن لمصير وطنه وأحفاده بعد رحيله.

وأخيراً.. (ع.ق.ه) تنبّأ أنه مهما عاش، سيموت واقفاً. حصل هذا، في مكتبه، الساعة الثامنة مساء 21/5/2015، قام عن كرسيه، أدخل ساعده الأيمن في كمّ سترته، ونظر إلى السقف تلك النظرة، وأعطى الروح. إلاّ أن تنبّؤه الذي لم يتحقّق، هو أنه سيحيا حتى يرى الشعب السوري قد حقّق حلمه بالعدالة، التي كانت أكثر ما يلحّ عليه، بكونه رجل إدارة وقانون. الأمر الذي تبيّن له، قبل رحيله عن عمر /84/ سنة، أن الأمور باتت أشدّ تعقيداً من أن يكحّل عينيه برؤية نهايتها المشتهاة.. وتحوّلت حكمته من: "مصبّحة مسّاية"، التي كان يجيبنا مفسّراً لها: "هيك حاسسني قلبي"، إلى: "صارت وصارت"، محافظاً على تفاؤله الذي لم يتزعزع حتى آخر لحظة.

"صارت وصارت" عبارة كهذه، بالتأكيد، أشد منطقية وواقعية من عبارتي.. (ليتها لم تكن)، والتي كان من الصعب بالنسبة لي أن أقولها أمام (ع.ق.ه)، وربما من المستحيل أن أكتبها وأنشرها في حياته، وأنا أذكر كيف اغرورقت عيناه بالدموع، وهو ينظر إلى أولئك الشبان والشابات، عند تقاطع (العلبي)، يهتفون ويغنون ويرقصون. "بركان وتفجّر" كان يقول مفسّراً ما يحدث بقوانين الطبيعة. وعندما سألته صديقة ذات شأن، مستنكرة: "من أين جاء كلّ هذا الحقد؟"، كان جوابه سؤالاً أشدّ استنكاراً: "أحقاً..لا تعرفين!؟".

"صارت وصارت" ولا بدّ أن في آخر هذا النفق المظلم فتحة يدخل منها الضوء...تلك طبيعة هكذا أنفاق. ولا بدّ أن لثالوث الدمار والموت والتشرد، أن يتوقف، وآن له أن يتوقف، وسيتوقف.. فلكل شيء نهاية، ولا بدّ أن ثمة محطة أخيرة لهذه السكّة الحديدة الطويلة الدامية، التي يمضي عليها القطار السوري بلا هوادة إلى لا أحد يعلم أين. بلاد وشعوب كثيرة داهمتها نكبات ومآس إنسانية كبيرة، ربما أقلّ وربما أكثر، غير أنها عبرتها، وعادت لبناء حياتها ومستقبلها من جديد. حروب عالمية كلفت البشرية أفدح الخسائر، في العمران وفي الأرواح، صارت ذكرى من الماضي...الحياة لا تتوقّف، ولا حدّ لقدرة الشعوب على النهوض، والاندفاع إلى حياة أفضل.. ولا أحد يماري أن السوريين، أكثر من أي يوم مضى، ورغم كلّ ما جرى، أو، بالأصح، بعد كلّ ما جرى، بعد كلّ هذه التضحيات والآلام التي قدّموها وعانوها جميعاً؛ يستحقّون الحياة الحرة الكريمة العادلة، في سوريا الحرة الكريمة العادلة.

وكأنه كان محتّماً علينا نحن السوريين، جميعنا، عامة ونخباً، من بقي ومن غادر، موالين أم معارضين أم صامتين؛ المرور في هذا النفق، وكأنه كان قدرنا اختبار هذه المحنة، فلم يساعدنا أحد، لا في تجنّبها، ولا في الحدّ من مآسيها، بل ربما فعلوا العكس، ساقونا إلى أسوأ نهاياتها، وأجهدوا أنفسهم في الدفع بنا إلى شفير هاويتها. وكأنه كان هناك دروس لا بدّ لنا أن نتعلمها، لنحقق مواطنتنا كسوريين، ووحدتنا كشعب وكوطن.. وكينونتنا كبشر. وكما أصدّق أننا جميعنا تعلمنا هذه الدروس المرة، أو لأكن أكثر واقعية، بدأنا نتعلمها ونستوعبها، أصدّق أننا سنعبر محنتنا القاسية حتى خلاصنا، سنعبر نفقنا المظلم حتى نهايته، حتى تلك الفتحة التي سنخرج منها إلى الضوء.

رحل لي أصدقاء عديدون، رحلوا بطرق عديدة، ولكن، أيضاً، بقي لي أصدقاء عديدون، بل بقي ملايين السوريين. بقوا لأنهم، لم يبطلوا الأمل. ما داموا ببقائهم، ربطوا مصيرهم بمصير بلدهم، فهم يحتاجون هذا الأمل، ويحتاجون من يبثه فيهم...كم مرّة عليّ أن أقول: "السوريون جميعهم.. يحيون بانتظار الفجر..".

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".