علي العسبلي يكتب: نحن شعب يريد العصا

"نحنا شعب امتاعين عصا". جملة غريبة ومفهوم قديم جديد ظهر بعد رسوبنا بكل المواد في سنة أولى ديمقراطية، وبعد أن "جبنا ذلك السطل المليء بالكعك المحروق".

انتشرت هذه الجملة بالخصوص في منطقة برقة شرق ليبيا. والعصا هنا ليس ذلك العود من الخشب الذي يهش به الراعي على الغنم أو يتوكأ عليه كما هو معروف، إنما المقصود منها بحسب أصحابها تلك الهراوة التي يُضرب بها المرء، في إشارة إلى الحكم العسكري. 

"نحن شعب نبو عصا". هذه الجملة تكاد تسمعها في كل مربوعة وفي طوابير الخبزة والمصارف وعلى صفحات مواقع التناحر الاجتماعي، بل وحتى على الراديو وقنوات الإعلام المحلي الموجه. وليس من العوام فقط، إنما سمعتها شخصياً من مشائخ وإعلاميين وأكاديميين بل وحتى من نواب بالبرلمان أيضا.

منذ سماعي لهذه الجملة وحتى وقت كتابتي لهذا المقال لم أجد تفسيراً منطقياً مقنعاً يجعل إنساناً يرضى لنفسه هذه الدرجة من الذل والإهانة. ذلك الشيء وليس الإنسان الذي يتجرأ ويقول "نحنا شعب امتاع عصا" في الوقت الذي لو سنحت الفرصة للدواب والحيوانات بالنطق لصرخت رافضة للعصا.

جرني الفضول لأسأل معتنقي هذا المفهوم واستكشف ما في عقول المقتنعين به والمروجين له، لعلي أجد الإجابة الشافية أو ربما أهتدي إلى تلك العصا التي قد تكون عصىً سحرية على غرار عصا موسى، فنشق ذلك البحر المظلم لإنقاذ ماتبقى من أنقاض سفينة ليبيا الغارقة في جوفه، أو على الأقل نهش بها على تلك القطعان المسيرة من الأغنام، وإذا ما تعذر هذا وذاك نكتفي بالتوكئ عليها وخلاص.

لقد كانت الإجابات مخيبة حقاً، لم أتخيل أن الأمر بهذه السطحية. فمثلاً أحدهم- ويؤسفني أنه يعتبر "شيخ في أعربه"- قال لي وبالفم المليان (العصا لمن عصى). وكأنه يرى أننا شعب من العصاة تماما كما كان يطلق الطليان هذا الوصف على رفاق عمر المختار.

 إعلامي آخر برر وقال لي: ماتمشيش معانا الحرية ولا أعلم من أعطاه الحق ليتحدث بصيغة الجمع. أما أحد المحسوبين على المثقفين، قال لي إن كل المدنيين الذين وصلوا إلى مراكز اتخاذ القرار بعد الثورة "خونة وسراق"، خلينا نردوا عصا صاحبنا لولي.

أكاديمي لديه ماجستير في إدارة الأعمال، أجابني أن العصا أفضل آداة لإرشاد العميان، كلام في ظاهره جميل ولكن العميان يمسكون بالعصا ليتحسسوا بها الطريق ولا يُضربون بها على ظهورهم، أما سيادة النائب فقال إننا جربنا الديمقراطية ست سنوات ونظمنا انتخابات وكانت مخرجاتها ثلة من "السراق والنفعيين" باعو البلاد ودمروها -ربما نسي نفسه- فخلينا نجربو العصا.

جربها لوحدك، الخازوق أفضل استعمال للعصا لمثل هؤلاء. أحد النشطاء قال لي: حكم العسكر حلو سكر. وآخر قال لي نكتة، لقد سرقنا وأكلنا وشبعنا ومعش تبيلنا إلا عصا.

العصا والجزرة أو مبدء الثواب والعقاب هو تعبير مجازي أوروبي، حيث كان الأوروبيون يروضون الحمير باستخدام العصا والجزرة؛ بحيث يتم مسك الجزرة بيد ووضعها أمام الحمار والعصا بيدٍ أخرى، فيسير الحمار إن طاوع الجزرة وإن عصى فله العصا. قم بإزالة الجزرة واجعل الحمار أو البغل ينطق ويقول أريد عصا، حينها فقط سيصح تعبير سكان شرق ليبيا "نحنا شعب امتاعين عصا".

للأسف هناك من اشتغل بطريقة ممنهجة لترسيخ هذا المفهوم في عقول الناس، مستغلا ما خلفته حالة الفراغ الأمني من فوضى وانتشار للجريمة والإرهاب بسبب العجز الحكومي، وسوّق للناس  أن الأمن مرتبط بالاستبداد وإسكات الأفواه والاعتقال التعسفي والسجون والقمع، وركّز على نماذج لدول بعينها متجاهلا نماذج لأخرى تتمتع بالأمن والرخاء الاقتصادي في ظل نظام ديمقراطي يطلق العنان للحريات والتعددية .

بالله عليكم أيهما أولى "بالتشليط" بالعصا على مؤخرته، هل هو الشعب التعيس الذي يصارع من أجل لقمة العيش، أمّن ضيعوا البلاد و"قربعوها" من مسؤولين وأشباه مثقفين وإعلاميين ومدعيّ المشيخة؟

وختاما، إن من يضحي بكرامته لأجل الأمن لا يستحق أياً منهما، مع الاعتذار لفرانكلن على تحريف المقولة.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".