وائل عباس يكتب: لينكولن محرر العبيد وقاتل الهنود

إنه أبراهام لينكولن محرر العبيد والرئيس السادس عشر للولايات المتحدة التي تفخر بصورته على عملتها الوطنية فئة الخمسة دولارات. قاد أمريكا أثناء الحرب الأهلية وحافظ على وحدة الولايات، وحرر العبيد السود، وطوّر نظام الاقتصاد والمال في فترة رئاسته، ويعتبره الأمريكيون من أعظم الرؤساء في تاريخهم، ربما فيما عدا الهنود الحمر.

دائما ما يذكر المؤرخون وكتب التاريخ المدرسية في أمريكا لينكولن بكل خير، فبجانب وضع صورته على النقد وعملات معدنية أخرى، شُيّد له مبنى تذكاري فخم يحتوي تمثال هائل له يسمى "لينكولن ميموريال"، ويقع على طرف متنزه "ناشونال مول" أمام المسلة الضخمة في واشنطن العاصمة. ويقع موقف لينكولن من العبودية موقع القلب في تاريخ أمريكا، خصوصا فيما يتعلق بالحريات. ويقال إنه موقف أخلاقي بالأساس، برغم وجود أصوات تزعم أن تحرير العبيد كان من أجل جلب أيدٍ عاملة رخيصة للصناعة في الشمال.

الحقيقة أن موقف لينكولن عليه الكثير من علامات الاستفهام حتى في موضوع إلغاء العبودية، فقد كان مؤمنا بتعويض ملاك العبيد ماديا، ولم يؤمن بالتحرير الفوري للعبيد، وكانت زوجته من أسرة مالكة للعبيد في كنتاكي، ومن المضحك أنه أعلن تحرير العبيد فورا فقط في الولايات التي تمردت عليه وليس في بقية الولايات، كنوع من الضغط السياسي والعسكري ضد أعدائه السياسيين، بينما أبقى على العبودية في ولايات أخرى ليضمن ولاء البيض هناك له، كما أن لينكولن لم يكن مؤمنا بالمساواة بين البيض والسود وهو ما قاله علنا في مناظرة انتخابية في عام 1858 ضد ستيفن دوجلاس، كما أنه قال في عام 1852 إنه يريد إرسال السود إلى ليبيريا في أفريقيا، لكن أخلاق لينكولن الحقيقية تتضح بشدة في موقفه من الهنود الحمر.

في عام 1862، انتفض الهنود السيوكس الشرقيون في ولاية مينيسوتا، فيما سمي بعدها بحرب داكوتا ويسميها الهنود الحمر بحرب الغراب الصغير، وذلك بسبب خرق الحكومة الأمريكية المتكرر لمعاهداتها معهم، وفرض تغييرات على عاداتهم في السكن والزراعة والتعايش مع البيض، وفرض رسوم على بيع وشراء الاراضي، وامتناع التجار عن بيع أي منتجات للهنود بالآجل بدون دفع نقود مقدمة، مما أدى إلى حدوث مجاعات وقحط عانى منها شعب داكوتا.

في يوم 17 أغسطس، هاجم هنود الداكوتا المستعمرات البيضاء على نهر مينيسوتا لمحاولة إبعادهم عن منطقتهم، والحادثة المسجلة تروي قتل أربعة من الداكوتا لخمسة من المستوطنين البيض، ومع ذلك خطب أبراهام لينكولن قائلا إن الهنود قتلوا "800 من البيض رجالا ونساء واطفالا"، ولا أحد يعلم من أين أتى لينكولن بهذا الرقم رغم عدم وجود أي إحصاء رسمي، مما سبب هياجا من قبل البيض ضد الهنود الحمر بشكل عام.

اندلعت الحرب لشهور بين المستوطنين البيض والهنود، حتى تدخل الجيش الأمريكي واخضع كل قبائل الداكوتا بالقوة، وقبض على ألف من المحاربين، وحكم على 303 منهم بالإعدام، وأُعدم 38 منهم بقرار بإمضاء لينكولن نفسه، وسجّل يوم الإعدام 26 ديسمبر أكبر عدد من الإعدامات على مدار التاريخ الأمريكي، وطُرد هنود الداكوتا من أراضي أجدادهم في مينيسوتا إلى نبراسكا وداكوتا الجنوبية.

كان هنود الداكوتا قد وقّعوا عدة معاهدات مع الحكومة الأمريكية، تنازلوا بمقتضاها عن أراضيهم وقبلوا العيش في محمية للهنود مساحتها 30 كيلومتر مربع فقط على نهر مينيسوتا، لكن هذا التنازل كان في مقابل تعويضات في شكل أموال وبضائع تقدمها لهم الحكومة، لكن الأموال والبضائع لم تصل أو ضاعت أو سرقها المسئولون بسبب الفساد، ودفعت الحكومة الأمريكية أموال للتجار فقط الذين يوردون البضائع للهنود.

سافر رئيس قبيلة هنود الداكوتا الملقّب بـ"الغراب الصغير" إلى واشنطن ليطالب بتطبيق بنود المعاهدات، خصوصا وأن تقسيم الأراضي الجديد سلب من الهنود المحاجر التي كانوا يتكسبون منها، واعترض أراضي الصيد والزراعة الخاصة بهم، فأصبحت الزراعة والصيد لا تكفي احتياجاتهم، ولم يعد باستطاعتهم التحطيب وقطع الأشجار ولا حتى صيد السمك من الأنهار، لذا أصبح اعتمادهم على الحكومة وما ترسله أكبر، بينما الحكومة منشغلة في الحرب الأهلية.

فشلت المفاوضات بسبب ممثلي التجار الحكوميين برئاسة أندرو جاكسون ميريك الذي رفض إعطاء الهنود بضائع بالآجل، وقال "دعهم يأكلون حشائش الأرض أو برازهم الذي يتبرزونه"، فعاد الغراب الصغير إلى مينيسوتا ليعقد مجلسا للحرب ويعلن حربا لطرد البيض. وأثناء الحرب التي تلت، عُثر على أندرو جاكسون ميريك ميتا، وقد حُشي فمه بحشائش الأرض.

عين لينكولن الجنرال جون بوب قائدا لجيش مكون من أربع كتائب لسحق انتفاضة الهنود، مجهزة بمدافع من عيار 6 رطل، وفي معركة "وود ليك" سحق الجيش هنود الداكوتا تماما، واستسلم باقي محاربي الهنود بعد المعركة، وتعرضوا لمحاكمات عسكرية كانت مدتها خمس دقائق لكل متهم وبدون محامين، ثم حُكم على مئات منهم بالاعدام، إلا أن لينكولن خفض العدد فيما بعد. وهرب الغراب الصغير لمدة قصيرة إلى كندا، ثم عاد إلى مينيسوتا ليلقى مصرعه على يد صائد جوائز مُنح 500 دولار مكافأة، وظلت رأسه معروضة للتشفي في مدينة سان بول بمينيسوتا حتى وقت قريب، وتحديدا عام 1971 عندما سلموها لحفيده.

اعترض هنري ويبل أسقف كنيسة مينيسوتا على أحكام الإعدام، وكان مهتما بحقوق الهنود الحمر، ونشر خطابا مفتوحا إلى لينكولن، ثم سافر إلى واشنطن ليطلب منه تخفيف أحكام الإعدام، فألغى لينكولن 264 حكما، وأمر بتنفيذ الإعدام في 38 منهم، وهو كما قلنا أكبر إعدام جماعي ينفذ في تاريخ أمريكا في يوم واحد، ونُفّذ علنا، وكان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه لينكولن يضغط لتنفيذ مزيد من الإعدامات من أجل الحصول على مزيد من أصوات البيض في الانتخابات في مينيسوتا، وبعد الإعدام والدفن، أخرجت جثث الهنود من القبور لاستخدامها في الأبحاث الطبية ودراسة الطب، إلى أن أعادت شركات الأبحاث الطبية في أواخر القرن العشرين ما تبقى من الرفات إلى القبائل الهندية لتعيد دفنها.

سُجن بقية الهنود لمدة خمس سنوات، مات خلالها ثلثهم في الحبس من الأمراض، ومن بقي طُرد إلى نبراسكا. وإلى جانب هؤلاء المساجين، حبست الحكومة الأمريكية 1600 من النساء والأطفال في معسكر اعتقال أشبه بمعسكرات النازي في ظروف صحية سيئة للغاية، وبينهم زوجة وأبناء الغراب الصغير، وتوفي منهم بالأمراض المُعدية 300 امرأة وطفل، حتى أمر الكونجرس بإلغاء المعسكر، وطرد جميع الهنود من مينيسوتا إلى مناطق قاحلة يضربها الجفاف، ووضعت الحكومة مكافأة 25 دولارا عن كل فروة رأس لهندي يُصاد في مينيسوتا في تطهير عرقي واضح في عهد لينكولن نبي الحرية ومحرر العبيد.

في تاريخ الشعوب الكثير من التزييف نحتاج أن نزوره ونكشفه، والكثير من القادة العظماء الذين رُفعوا لمصافي الآلهة لأسباب سياسية ودينية تصب في مصالح الحكام لا الشعوب. ليس في وطننا فقط، بل في كل أنحاء العالم، ثمّة أصنام بنيت لتُخلّد ذكراهم المزيفة في مبان ذات أعمدة رخامية فخمة تتحدى الزمن، لتبقى على كذبة مدفونة في ضريح. المجد فقط تستحقه الشعوب المناضلة، لا القادة المزيفون ومصالحهم وأهواؤهم.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".