ام الشهيد - بوسف عبدلكي

منذر مصري يكتب: أم الشهيد لا تنظر إلى الصورة.. لا تستطيع

ليس بمناسبة معرض يوسف عبدلكي، الذي أقيم  في صالة كامل، بالمزة داخل دمشق، من 17/12/26 إلى 15/1/2017. الذي كنت، ربما، أول من أعلن عنه على صفحات الفيس بوك، مرفقاً مع بطاقة دعوته المطلوسة بالسواد، ما لم أفكر به، عندما كتبته، لا كثيراً ولا قليلاً، لأنه كان تعبيراً مباشراً عن شعوري.. ليس إلاّ:"ذلك الإصرار على الأمل".

         ليس بمناسبة المعرض، فقد كتب عنه الكثير، وبعض ما كتب، أعترف، لن أستطيع مجاراته في روعته وصدقه. رغم شعوري أنه، ربما أنا بالذات، لدي مالم يقله أحد، أو على الأقل، مالم يقله أحد بوضوح كاف، فلقد خرجت لتوي، هذا إن كنت قد خرجت حقاً، من مجابهة مشابهة، لما جوبه به يوسف، وجرت مساءلته عنه، ولم ينقص سوى إصدار مذكرة استدعاء، بحقه، بسبب اختياره هذا المكان وهذا التوقيت لإقامة معرضه..وإن لست، كما المعروف عني وعنه، بجلادة يوسف وصلابته.

ليس بمناسبة معرض يوسف، فلطالما رغبت أن أخصّ تجربته، بجهد نقدي حقيقي، كنت على وشك البدء به، بعد أن أرسل لي ما ينقصني من نشرات وأدلة معارض لم يتح لي حضورها. فإذ بنا جميعاً في قلب العاصفة، العاصفة التي تلاشت نظراتنا في ذلك الأفق المعتم، ونحن نرقبها ونرنوا إليها.. وإذ بنا جميعاً ندع كل ما بأيدنا يسقط أرضاً، ونرفعها مهللين لطائر البرق، الذي كان يعبر سماء لوحات يوسف كلها. ذلك أني، رغم المسافات التي كانت تفصل بيننا دائماً، رافقت نمو وتطور تجربة يوسف من مرسمه الضيق، في باب شرقي، أوائل السبعينات، ثم معرضه الشخصي في صالة نقابة الفنون في دمشق /1978/، الذي أخذت إجازة /48/ ساعة، خلال خدمتي الاحتياطية في إحدى المواقع الحدودية، وقدمت لحضوره، إلى يوم اعتقالي أنا وأخي رفعت، في 18/10/1987، وأعمال يوسف مكدّسة في علّيّة مكتبتنا، استعداداً لعرضها في اللاذقية..العرض الذي لم يحدث!؟..ما حدث..ما حدث الآن، أنه، خطر لي أن أضع لوحة (أم الشهيد) على واجهة حسابي الفيسبوكي، وأكتب عنها شيئاً..فإذ بي أقوم بقراءة أولية مختصرة لها، وجدت من المناسب أن أكملها هنا بنص خاص بها.

1- حيث المهارة ما زالت فنّا:

         (أم الشهيد) فحم على ورق/100-100سم/ 2012، واحدة من لوحتين أطلق عليها يوسف الاسم ذاته، في معرضه، ما قبل الأخير، الذي أقامه في بيروت ثم نقله إلى باريس، آذار ونيسان /2014/. وهي، كمعظم أعمال يوسف الكبيرة، ولو نسبياً، بالمقارنة مع أعمال تصل أقطارها إلى أربعة أمتار وأكثر، تحتاج لأن تقف على مسافة وتنظر إليها عن بعد، نظرة واسعة شاملة، بقدر حاجتك لأن تقترب ما أمكنك منها، وتدقق النظر في تفاصيلها..رسام مسامات هو، يعتني عناية قصوى في كل سنتيمتر مربع في لوحته، العناية الزائدة التي تبدأ بالشخوص والأشكال التي عموماً ما تشغل وسط اللوحة، إلى خطوط الحواف التي يحددها ضوء ، ينبع من جهة ما غامضة، دون رغبه منه بتبديد العتمة التي تعمّ لوحات يوسف منذ بداية البداية، إلى نسيج السطوح، الذي يتناوب على رسمه رأس وبطن عود الفحم وبعده حرف الممحاة. نعم ذلك الضوء الموزع على رأس المسمار، تلك الأسلاك التي تلف حول الجمجمة، مرسومة بحرف الممحاة، مقدماً تلك الأمثولة الفنية المعاكسة لمفهوم الفن الحديث، وربما الفن عموماً، منذ ما يقارب القرن، هي أن المهارة في الرسم مازالت فناً.

2- ماذا تخفي الحراشف اللامعة:

الرسامون عموماً، بشر قساة، وخاصة رسامي الخط، (اللون بقعة متلاشية، إذا لم يحددها خط)، فما بالك برسامي الخط التعبيريين، الحفارين والطباعين بالحبر القوي، ورسامي الفحم والرصاص الغامق. منذ البداية، ظهرت القسوة في أعمال يوسف؛ الأحصنة ذات العروق النافرة، والمعتقلون نصف العراة بقيودهم، وذلك الوحش، خليط الثور والخنزير والدبابة، الذي أخافني في معرضه الأول، إلا أنه كان هناك، أيضاً، الصراخ، والانفعال. في الثمانينات، انصبت على رسم البيئة الشعبية، حيث اغتنت المفردات، وربما اكتظت، مع تنوع غير مسبوق في معالجة المساحات، أتاحتها تقنية الحفر على الزنك. أما في التسعينات، التي استخدم فيها يوسف العديد من التقنيات، ومنها الرسم بالباستيل، فقد احتلها جنرالات ورجال سلطة ومال، وخليلاتهم!؟، حيث السخرية الشعور المسيطر. بعد هذا جاءت الطبيعة الصامتة، لا بل يصح هنا أكثر..الطبيعة الميتة، جماجم خراف تلف عليها أسلاك، عصافير ميتة مع سكاكين كبيرة مغروزة بجانبها، أحذية مستعلمة بسيور مفكوكة، أسماك بعيون جاحظة وأفواه فاغرة وكأنها تشهق العدم..العدم الذي كان يوسف يعلم أنه لن يخرج منه سوى بعودته لسوريا /2005/..إلا أن قيامة 15/3/2011، كان خليقاً بها، وكما لا نعرف من قبل، تفجير العاطفة في أعمال يوسف الكتيمة والمعتمة والقاسية، لذا استهلت أغلب المتابعات عن معرضه آنذاك، بعنواين:(يوسف عبدلكي يرسم الألم السوري)، (سوريا جرح العالم)، (شهداء وثكالى وطيور ذبيحة)، (قصص سوريا المرّة)..

3- أعرف الابن..إنه لطفي مساعد معلم الكهرباء:

لك أن تبدأ بصورة الابن، تلك التي تستند على أسفل ظهر الكرسي، إنه ابن وحيد، تستطيع أن تتأكد، لا صورة ولا وجود لابن سواه، لم يصل إلى سن الجندية بعد، فليس هناك من أثر لشعر اللحية. إلاّ أنه أيضاً، ليس هناك من دليل على طريقة موته، فهو لا يحمل سلاحاً، كما في صور بقية الشهداء، فقط، خصلات شعره المتطايرة، وجبينه العالي العريض، الذي يضيئه نور، أو يشع منه نور..و..نظرته، أية نظرة هذه!؟، ليس هكذا يأخذ المراهقون صورهم، ليس بهذه الإطباقة على الفم. أتأمل الوجه جيداً، أعرفه..إنه لطفي، الفتى الذي قدم مع معلم الكهرباء إلى محلي، المعلم يتحدث معي، ولطفي يعمل..ثم علمت أنه..غاب.

4- الكرسي:

         ليس للجلوس، هذا الكرسي، عالي الظهر، كسلم، نحيل ومستقيم القوائم، وكأنه مرسوم بالمسطرة..محدد بخطوط عريضة غير مجسمة، تشكل مساحات طولانية ضيقة، أغمق بقليل أو كثير من السطح..نعم، لم يرسم يوسف هذا الكرسي ليجلس عليه أحد سوى الصورة.

5- الأب..يوسف يرسم نفسه:

         هناك، صورة ثانية، في اللوحة، أعلاها، أو على الأصح نصف صورة، وكأن هذا تأكيداً على غياب صاحبها. نعم..غائب آخر. نحن بشر لا نعلق صور آبائنا، إلاّ بعد رحيلهم. رجل، يرتدي طقماً وربطة عنق. كما عندما يأخذ الناس البسطاء الصور في الاستديو..استديو من؟ المصور (عبود). هذا ما حرص يوسف على كتابته في زاوية الصورة..المصور (عبود) الذي صور يوسف بشعره الذهبي الطويل، وهو في عمر السادسة. إذن..صحيحة تلك الفكرة التي مرت في خاطري، وأنا ألمح شبهاً ما بين صورة الأب ويوسف. بأن يوسف رسم نفسه.

6- لا تستطيع الأم..النظر إلى الصورة:

         الأم الثكلى..أول ما لفت نظري، قدماها الحافيتان، إنها أم صغيرة..إذن. ماذا تفعل؟ تجثو على ركبتيها، مسندة رأسها، ويديها المتشابكتين..على حافة الكرسي..تصلّي!؟ تهدس!؟...بماذا!؟ لا أظن أحداً غير اللـه يعلم!؟ عتم شديد تحت حاجبيها الكثيفين المنكسرين، يهبط ليملأ بالسواد عينيها..إنها لا تنظر إلى الصورة!؟ لاريب أنها نظرت إليها، عندما، أنزلتها من الحائط، ووضعتها على الكرسي أمامها، ولاريب أنها حملقت بها طويلاً، حتى تحجرت عيناها، إلاّ أنها الآن كفّت عن ذلك..ماعادت تستطيع..