ANP - طفل يمني في منطقة دار الحجر.

إسحاق المساوى يكتب: عامان من العزلة!

عشرات الأخبار العاجلة تصلني يومياً وأغلبها بات لا يلفت انتباها ولا يثير فضولاً.. الغارات وضحاياها، البيانات الحكومية، الراتب، الصواريخ الباليستية، المقذوفات اليمنية على الحدود السعودية، حتى الكشف عن مساعي دولية للسلام أصبح مألوفاً إلى الحد الذي يجعلني أمرر عجلة الماوس إلى الأسفل كلما صادفتني هذه الأخبار.

كل التحديثات تلف حول دائرة مغلقة فيمر اليوم ولا شيء يجعلك متلهفاً لمتابعته، أو مراقباً لتداعياته، فقط أنت تعيش وسط أرتال من الأخبار الاعتيادية والمملة. 

تستقبل عدداً من الاتصالات التي تحاول أن تنزع جديداً لتداوله في جلسات المقيل اليمنية التي تلوك مع نبتة القات تفاصيل الأحداث الجارية لعامين متتالين دون ملل. وعليها ترتص الأيام والأسابيع والأشهر في قائمة مهملة، وعلى صفيح بارد من الأخبار السياسية.

تتساءل في نفسك: لماذا الجمود وهل نحن على مشارف الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ ثم تدرك أن العاصفة وإن جاءت فإنها لن تفك عقدة خيط واحد..

إذن، ما الحل من وجهة نظرك؟

ولأجل المصداقية واحتراماً لمبدأ: "من قال لا أدري فقد أفتى"، ترد على سؤال باحث عن مأوى لمستقبل بلاده، وفي قرارة نفسك إدراك مسبق بأن الجواب سيضاعف تجاعيد جارك الموقوف عن العمل حتى إشعار بعيد.

تخطر في بالي فكرة اللقاء بأحدهم، ولأنني موسوم بالفشل في التفاعل المجتمعي على أرض الواقع، أستعين بقائمة الأصدقاء المفسبكين. ربما يكون صديقي المهتم بالرياضة هو وجهتي الوحيدة لكسر جمجمة الروتين المعطوب.

بالمصادفة ألتقي هناك بالكثير من العالقين في قائمة زياراتي التي لم تتغير.

"غير معقول هذه الصدفة"، يقول صديق آخر مضى على اختبائه في بيوت معارفه شهراً كاملاً على ذمة منشورات ناقدة لسطلة الأمر الواقع، وبهذا بات نازحاً لاجئاً هارباً.. لا يهم، فالأمر أقل من أن يجد حيزاً في مساحات الإعلام الحصرية بأخبار القتلى ونادراً الجرحى إن كانت جراحاتهم تصنف لدى معايير القانون الدولي "جرائم ضد الإنسانية"؛ أما الانتهاكات والفساد وحرية التعبير، فهي ستصبح بلا شك أحداث هامشية تكلفك تحمل خشونة الرد الأرعن من قبل المسؤولين: ليس وقتها الآن.

تبدأ مراسم المقيل وفي بالك مشروع للخروج من نطاق النقاشات المكررة، غير أن مهاتفة صديق من عدن يجعل مراسم المقيل أشبه بمراسم العزاء عندما يخبرك بأن أخاً له راح ضحية عمل إرهابي وإلى جواره مائة آخرون، فينتهي اليوم بعبارة تأتي ضمن سياق النفاق الاجتماعي: "لازم نشوفك مرة ثانية".

وبخطى تسبق سرعة انطفاء كهرباء الألواح الشمسية أصل منزلي باحثاً عن أقرب مقبس لشحن هاتفي الذي يشاركني مع الباور بنك تحدي الأعوام المظلمة، والحياة "المسلوقة بنفس المقادير"، على رأي كاتب سعودي.

ربما يحدث أن تلقى اكتراثاً بالوقت لو فكرت بالخروج من الوطن على غرار آخرين استسلموا للعواصف، لكنك وبعض رفاقك المخلصين للقومية تفضلون التمسك بالأرض كجذع شجرة متين يرفض الاقتلاع حتى أمام الظواهر الطبيعية، وإلى أمد لا تلقي ضوابط الزمن له بالاً.

هذا التمسك يرسم خطواتك بدقة نحو مصير عدمي أنت مجبر على خوض تفاصيله التي ركلت الأقدار إليها بلا سابق إنذار، ولأنك مواطن في بلد الحرب المزمنة فالمستقبل بالنسبة لك هو اليوم التالي لتصحو من نومك بعبارات الحمد أنك مازلت على قيد الحياة.

هكذا هي حالة البقاء في نطاق جغرافي عزله العالم عن كل شيء باستثناء الغارات وبيانات الأمم المتحدة الكثيرة بلا جدوى.. إذ لا شيء يجعلك تشعر بأن الوطن موعود بالخير، وأنت تشاهد ابتسامة مرفقة على شفتي طفل أحصى فائدته من بيع علب المناديل على شوارع البلد.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".