مايسة سلامة الناجي تكتب: إن كنا سنرى شباط ولشكر وزراء... أفضّل أن نبقى بلا حكومة!

قال أمين عام حزب الاستقلال حميد شباط يوم السبت الماضي بأن مقولة "البلاد تسير جيدا دون حكومة" كلام فارغ، وأن هناك أناسا محاصرين وسط الثلوج بين الجوع والمرض بسبب عدم وجود الحكومة! وكأن أيام اشتغال الحكومة يكون سكان المغرب العميق شبعانين دفيانين لا يحتاجون أي شيء!

وعموما التحركات الملكية الأخيرة تكشف العكس تماما، ودعونا نبدأ بالسياسة الخارجية، إذ قرر الملك محمد السادس العودة للاتحاد الإفريقي وتم الإعلان عن هذا الخبر مع تولي الوزير المنتدب الثاني بوزارة الخارجية ناصر بوريطة التكنوقراطي قيادة الوزارة، بين تذبذب وزير الخارجية صلاح الدين مزوار وعمل مباركة بوعيدة المنتدبة على تصريف الأعمال، جاء صاحب القرارات من الظل ليخرج أجندته الإفريقية إلى العلن التي تفاجأ بها المغاربة كما تفاجأت بها الحكومة والبرلمان نفسه، دون استفتاء شعبي كما وقع في بريطانيا مع "البريكسيت"، وبدأ الملك جولته الإفريقية يجمع دعم الدولة لعودة المغرب كما يوسع استثمارات شركاته وشركاته محيطه من رأسماليين ليصبح المغرب ثاني مستثمر إفريقي في القارة يضع أكثر من %50 من استثماراته به.

كذلك وسع المغرب حلفاءه الخارجيين بعد أن بدأت معالم النفاق تتضح من السياسة التي تنتهجها أمريكا في ملف الصحراء بين الكونغرس واللوبيات التي يصرف عليها المغرب الملايين سنويا بالدولار، وبين خارجيتها وبيتها الأبيض اللذين يتنكران لمغربية الصحراء، كذلك بسبب قرارات الاتحاد الأوروبي التي تثني الجهات الجنوية من الاتفاقيات التجارية، كما وقع مؤخرا حين أسقطت المحكمة الأوروبية الدعوى التي رفعها البوليزاريو ضد المغرب لمنعه من تصدير المنتجات الفلاحية الصحراوية، تم إسقاط الدعوى على أساس أن الجهات الجنوبية لا تدخل ولم تدخل أصلا ضمن تلك الاتفاقيات مما يدل على ميوعة مواقف الاتحاد الأوروبي من مغربية الصحراء.. فوسّع الملك علاقات المغرب هذا العام بزياراته إلى روسيا والصين والهند وسافر معه عدد من مستشاريه ومحيطه من مستثمرين وبعض الوزراء التكنقراط الذين يختار دائما في رحلاته مستثنيا بالكلية وزراء من العدالة والتنمية أو الحركة الشعبية أو التقدم والاشتراكية وهي الأحزاب التي كانت تشكل الحكومة.. ولا كان للبرلمان المغربي أي رأي في هذه السياسات الخارجية، بل إن رئيس الحكومة نفسه حين خرج مؤخرا بتصريح يتهم روسيا بالمجازر الحربية على سوريا، خرج مباشرة بلاغ من الخارجية يؤكد على أن رئيس الحكومة لا علاقة له بالسياسة الخارجية وأن تصريحاته لا يعتد بها! هل هناك دليل أكثر من هذا على أن السياسات الخارجية تسير دون حكومة ولا برلمان.

أما بالنسبة للسياسة الداخلية، فالبلد آمن مستقر على أساس المؤسسات الأمنية والمخابراتية التي يعين رؤساؤها مباشرة من طرف الملك معهم وزير الداخلية، ولا تخضع سياساتهم وقراراتهم لأي مناقشة برلمانية كما أنهم محصنون من المثول أمام لجنة تقصي الحقائق بالبرلمان لمحاسبتهم ومراقبة طريقة اشتغالهم، بل إن الميزانيات المخصصة لتلك المؤسسات تسمى في المغرب بالصناديق السوداء التي لا يعلن على حجم المبالغ التي تستفيد منها من الميزانية العامة للملكة كما يتم تمريرها كل عام داخل قبة البرلمان من طرف البرلمانيين الرعاع بالإجماع دون مناقشة ولا معارضة! كما وضع الملك لكل قطاع مؤسسات موازية برؤساء معينين من طرفه مباشرة، موازية للمؤسسات المنتخبة، مثلا أمام وزارة الاتصال نجد الهاكا، أمام وزارة البيئة ووزارة الاقتصاد نجد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أمام وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية التابعة لها نجد المجلس المغربي لحقوق الإنسان، أمام وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي نجد المجلس الأعلى للتعليم، أمام وزارة الطاقة والمعادن نجد مؤسسة شمس، هكذا دواليك، مع غياب الحكومة تسير تلك القطاعات بشكل اعتباطي، بل وحتى مع وجود الحكومة تكون قرارت تلك المجالس أكثر قيمة والأقرب للتنفيذ ولا يسع الحكومة المحكومة إلا تصريف الأعمال. وتبقى المشاريع والاستثمارات الداخلية واقفة إلى أن يعود الملك من سفرياته ليدشن هنا وهناك ويغضب عن هذا ويعفو عن ذاك مع ولائه وعماله دون منتخبين، دون أن يأبه لرؤساء الجهات ولا للعمدات ولا لغيرهم.. الذين أصبح سعيهم هو الأكل من فلوس الشعب والنوم.

البلد سائرة دون حكومة ولا برلمان فقط بالتكنقراط والمعينين، والشتا طاحت والعام زين.. والحمد لله رب العالمين.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".