علي أنوزلا يكتب: متى سيمارس بنكيران نقده الذاتي؟

بعد مرور ثلاثة أشهر ونيف على محاولاته تشكيل حكومة أغلبية، خرج عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المعين، يتساءل مثل بقية الناس: من الذي يعرقل تشكيل حكومته؟

نفى رئيس الحكومة المعين مسؤوليته في تأخر تشكيل أغلبية حكومية، وبالتالي مسؤوليته عن كل انعكاس قد يسببه هذا التأخير على مصالح البلاد وصورتها في الخارج وتنميتها الاقتصادية. وفي مونولوغ طويل، سرد رئيس الحكومة تفاصيل المشاورات التي أجراها مع الأحزاب السياسية الممثلة داخل البرلمان من أجل إقناعها بالمشاركة في الحكومة المقبلة، وأغلبها بالمناسبة كانت تشارك في الحكومة المنتهية ولايتها التي كان يقودها بنكيران بنفسه. ولو كان هناك منطق سياسي في المغرب لكانت الأمور جرت بيسر وسهولة، فالأغلبية المنتهية ولايتها حصلت على أغلبية مقاعد مجلس النواب الجديد في انتخابات 7 أكتوبر الماضي، بحصولها على 201 مقعدا، وهو ما كان سيؤهلها لقيادة الحكومة من جديد لمدة خمس سنوات أخرى.

لكن "الاستثناء المغربي" أبى مرة أخرى إلا أن يفرض نفسه، فالمعارضة القوية التي يواجهها رئيس الحكومة المعين وتحول حتى الآن دون تشكيل حكومة جديدة جاءت من حزبين من أحزاب أغلبيته السابقة هما "التجمع الوطني للأحرار" و"الحركة الشعبية". وفي سرده للعراقيل التي اصطدم بها حتى الآن، قال بنكيران إن رئيس حزب "التجمع الوطني للأحرار"، عزيز أخنوش، وهو أحد أشهر الأثرياء في المغرب، وشخص مقرب من الملك، اعترض على مشاركة حزب آخر في نفس الحكومة هو حزب "الاستقلال".

بالنسبة لبنكيران، فإن تشبثه بحزب "الاستقلال" يعتبر مسألة مبدأ، وبالتالي فهو لن يتخلى عنه، أما زعيم حزب "التجمع الوطني للأحرار"، الذي نادرا ما يصرح للصحافة، فقد التزم الصمت حتى الآن، لذلك طالبه بنكيران بالخروج إلى العلن وتفسير موقفه من معارضة مشاركة حزب "وطني" على وصف بنكيران في الحكومة المقبلة؟

لكن هذا ليس سوى ظاهر الأزمة السياسية التي يعيشها المغرب منذ انتخابات 7 أكتوبر الماضي، لأنه لو كان الأمر كذلك، أي كما حاول بنكيران أن يلخصه ويشرحه، لكان سهل الفهم والاستيعاب، وإلا لماذا لا يطرح بنكيران نفس السؤال على نفسه ويقول للرأي العام بصراحة لماذا يتشبث هو بمشاركة حزب في أغلبيته يحاول من الآن أن يضغط عليه بفرض شروطه؟ ألم يقل هو نفسه في نفس المونولوغ بأن تشكيل الأغلبية كان متيسرا عندما كان حزب "الإتحاد الاشتراكي" مستعدا للمشاركة في الحكومة؟ وفي نفس المونولوغ يجيب بنكيران على نفسه بالقول بأن الأمر بالنسبة إليه لا يتعلق بأغلبية عددية وإنما بأغلبية تضم كفاءات، معتبرا أن حزب "التجمع الوطني للأحرار" يضم "كفاءات" تحتاجها أغلبيته الحكومية المقبلة، وفي هذا نوع من التبخيس بـ "كفاءات" الأحزاب التي أعلنت حتى الآن عن استعدادها المشاركة في الحكومة المقبلة؟ ثم، ما هي نوعية هذه "الكفاءات" النادرة التي يضمها هذا الحزب المكون من الأعيان؟ أليس زعيم هذا الحزب نفسه هو من يقود مشروعا كبيرا اسمه "المغرب الأخضر" صرفت حوله الملايير منذ عدة سنوات ولم يظهر له أي أثر على الأرض ولم تصل ثماره إلى صغار الفلاحين المفترض أنهم هم المستهدفين بخططه؟ ألم يكن الزعيم السابق لنفس الحزب موضوع فضيحة صرف علاوات مالية لنفسه بطريقة غير قانونية عندما كان وزيرا للمالية؟ ألم يورط هذا الزعيم بلده عندما رأس دبلوماسيتها في أزمات دبلوماسية مع أكثر من دولة؟ أو لم يكن الوزير المكلف بالجالية المغربية من نفس الحزب الذي يتشبث بنكيران بإعادته إلى الحكومة، فيما تطالب جمعيات الجالية المغربية في الخارج بإقالة هذا الوزير وإخضاع الوزارة لفحص مالي طيلة فترة وجوده على رأسها؟ ألم يتعرض بنكيران نفسه لإحراج كبير من طرف وزير ماليته في الحكومة المنتهية ولايتها، وهو عضو في نفس الحزب، عندما أصدر مرسوما بدون إذن رئيسه بخصوص أزمة الأساتذة المتدربين؟ وأخيرا، وليس آخرا، ألم يضع رئيس الحزب الحالي، عزيز أخنوش، بنكيران أمام إحراج أكبر عندما عمد هو ووزير المالية الذي ينتمي إلى حزبه، إلى سحب التوقيع على التصرف في صندوق التنمية القروية من رئيس الحكومة الذي هو رئيسهم، وبدون علمه؟

بنكيران يدرك جيدا أن الأمر لا يتعلق بـ "كفاءات" نادرة، كما حاول أن يبرر تشبثه بهذا الحزب الذي سبب له وزراؤه الكثير من المشاكل والعراقيل في الحكومة المنتهية ولايتها، وبدلا من أن يفصح عن السبب الحقيقي الذي يجعله يلهث وراء مشاركة هذا الحزب، حمل المسؤولية إلى السياسيين والمثقفين والصحافيين، ليجيبوا عن سؤال: من الذي يعرقل تشكيل الحكومة؟ والحقيقة هي أن رئيس الحكومة المعين يعرف أكثر من غيره الجهة التي تعرقل تشكيل حكومته، وقد حاول التلميح لها في مونولوغه في أكثر من مناسبة، خاصة عندما تساءل: "هل نحن منبوذون؟" في إشارة إلى حزبه، قبل أن يوضح متسائلا: "هل الطبقة السياسية ترى أن هذه النوعية من الناس (في إشارة إلى أعضاء حزبه) غير صالحة لمشاركتها السلطة؟". وضمير الغائب هنا كما هي الإشارة إلى الطبقة السياسية يحيلان على الدائرة الضيقة التي تتحكم في صنع القرار في المغرب وهي توجد في محيط القصر.

في السابق، وحتى قبيل الانتخابات الأخيرة كان بنكيران، يصف الجهة التي تقف ضده داخل الدولة بـ "التحكم"، وطيلة مونولوغه الطويل الذي استغرق 80 دقيقة ونيف لم يأت على ذكر هذا المصطلح الرديف لمفهوم "الدولة العميقة"، رغم أنه يدرك، قبل غيره أن نفس "الدولة العميقة" التي عملت جاهدة على أن تحول دون تصدر حزبه نتائج الانتخابات الأخيرة هي التي تعرقل اليوم تشكيل حكومته المقبلة.

لقد آن الأوان لبنكيران أن يتحلى ولو مرة واحدة بالشجاعة ويعلن بأن من فشل هو مشروعه السياسي الذي بناه على فكرة الإصلاح التدريجي من الداخل. لقد أبانت هذه الأزمة والأزمات السابقة التي عاشتها الحكومة التي قادها طيلة خمس سنوات الماضية بأن "الإصلاح من الداخل" هو مجرد وهم لأنه لم يعمل طيلة السنوات الماضية سوى على تقوية بنية الاستبداد واستشراء الفساد، وهذه هي الأسباب التي أدت إلى الحراك المغربي عام 2011 وكان بنكيران من أكثر معارضيه عندما اصطف هو وحزبه إلى جانب الاستبداد ضد مطالب الشعب، وهو اليوم يؤدي ثمن موقف ذاك وعليه أن يتحمل مسؤوليته ويتحلى بقليل من الشجاعة في ممارسة نقده الذاتي.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".