ANP - أحد أنصار جماعة الحوثي رافعاً سلاحه في تجمع لحشد مقاتلين في صنعاء. 10-11-2016

محمد البكري يكتب: شرعية الصمود والتصدي!

لا يمكن أن يكون هناك استقرار سياسي لأي سلطة مالم تكن لها شرعية، وأي سلطة تفرض نفوذها بالقوة والغلبة ستظل رهينة القوة التي تفرضها قبل أن يظل الآخرون رهائن و أسرى تلك القوة. بمعنى أنها ستظل حريصة على امتلاك القوة الجبرية إلى درجة الخوف، فهي تعلم أن ليس لها أي قيمة في ذاتها، و أن بقاءها مسألة وقت لا مسألة إنجاز.
 
وهي بذلك في حالة استنفار دائم يكلفها الكثير من أمنها الذاتي، و يعيشها في دوامة تردد مستمر يفقدها أي تفكير خارج دائرة الخوف والريبة والتربص. كما لا يمكن لمثل هذه السلطة الرهان على الزمن في تقبل الآخرين لها و استسلامهم لما فرضه السلاح؛ فعامل الزمن وحده لا يكفي لإضفاء الشرعية أو اجتلاب رضا الناس، بل إن الزمن سيتحول شيئاً فشيئاً إلى عبء على هذه السلطة، وسيستدرجها إلى المساءلة عما أنجزت، وسيضعها موضع المحاسبة أمام المحكومين، و سيطالبها بما عليها من الواجبات، و بناء على كل ذلك سيراكم عوامل الخروج عليها بمقدار ما تتقاعس عن أداء الحقوق أمام الواقع والتاريخ.
 
طرأ الحوثيون على المشهد السياسي اليمني، واقتحموه بقوة السلاح، وبدلاً من أن ينتجوا النص البديل ذهبوا لاعتقال الجمهور، ومحاولة إرغامه على التصفيق لهم وهم يمزقون النص برمته. ظناً منهم أن هذا الاجراء يضفي على المشهد فاعلية وتأثيراً. و لم يدركوا أن ما يقومون به يضيف فصلاً جديداً إلى مسرح العبث.
 
أشهر الحوثيون تمردهم على شرعية الدولة بحجة استشعارهم لتقصيرها في حقهم كمواطنين، ثم انخرطوا في حروب صعدة الستة بحجة الدفاع عن النفس، ثم شاركوا في ثورة فبراير السلمية و اتخذوا لأنفسهم مسمى أنصار الله، ثم انقلبوا على الجميع وأشهروا سلاحهم على كل المناطق في طريقهم إلى صنعاء، ثم حاصروا صنعاء و اقتحموها لإسقاط حكومة الوفاق التي جاءت بعد الثورة الشعبية بحجة استشعارهم للمسئولية الوطنية، بعد أن استشرى الفساد في السلطة الحاكمة، وأتى على الأخضر واليابس.
 
رفع الحوثيون شعارات مناهضة للفساد والمحسوبية، و انتشرت لجانهم الثورية في كل المؤسسات و الهيئات والمرافق الحكومية وفرضت وصاية عمياء على كل أداء حكومي. وابتكروا لأنفسهم منصب المشرف على أداء الجهاز الوظيفي والخدمي والمالي، وعطلوا كل القوانين واللوائح، واحتكروا لمنصب المشرف كل الصلاحيات الادارية والتنفيذية بحيث لا يمكن أن يتخذ أي قرار أو يصدر أي توجيه أو ينفذ أي أمر صرف مالي إلا بإذن المشرف الحوثي، و دون أن يكون لهذا المشرف أي مؤهل علمي أو خبرة، ومهارته الوحيدة كونه من أنصار الله و مندوبهم السامي في الجهة الحكومية.
 
وعلى مدى عامين عَيّن الحوثيون ذويهم في كل المؤسسات، بلا أي احترام للقوانين أو خجل من المجتمع، مهدرين كل معايير التعيين وكل مبادئ العمل وكل اشتراطات المهنة، وكل احترام للأقدمية. وأصبح اللقب السلالي العرقي أبرز مبررات التعيين لأي منصب.
 
تحوّلت مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات لعدد من النهابين الذين لا هم لهم إلا الإثراء بأقصر وقت وبأي وجه، مستغلين نفوذهم في سرقة المال العام و ابتزاز مرؤوسيهم، وأشاعوا حالة من الذعر والسخط في نفوس الموظفين حتى أولئك الذين قبلوا بالأمر الواقع.
 
حقق النهب الحوثي لخزانة الدولة أرقاماً قياسية، و بوقت وجيز، وذهبت خطب عبدالملك الحوثي عن الحق والحقيقة والمنطق والقانون أدراج الرياح. وتبخر توعده للفاسدين الغارقين في المحسوبية والرشوة ونهب الثروات و التعدي على حقوق المواطنين، و ماتت حتف أنفها مطالباته بالخوف من الله.
 
بدأوا بمغامرة وانتهوا بمكابرة، ولا نعلم إلى متى الصمود! و لمن التصدي؟!
 
ولقد قال البردوني:
قد صار يمتلك السلاح وليس تنقصه الحماقة!

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".