AP - خروج أهالي داريا من المدينة

منذر مصري يكتب: المقدّس الشعبي.. والقيامة السورية

تلويحة وداع للمفكر الراحل صادق جلال العظم (1934دمشق-11/12/2016برلين)
سرعان ما أصطبغ الحراك السوري بشبهة، إن لم أقل بصفة، الإسلاموية. هذا إن لم أقل أيضاً، بصفة الإسلاموية المذهبية، ليس فقط بسبب الخروج من الجوامع، كونها الأمكنة الوحيدة التي أتيح بها تجمع وانطلاق المتظاهرين، وذلك بالتضاد مع إرادة أغلب شيوخها، المعينين رسمياً من قبل وزارة الأوقاف، والموافق عليهم أمنياً، للقيام بهذه الوظيفة الحساسة.

الأمر الذي قلت عنه مرة، إنه خروج عن الجوامع أكثر منه خروجاً منها. لكنه لا ريب ألقى بظلاله على الحراك مهما حاولنا التخفيف من شأنه، والدليل أنه ما زالت هذه النقطة، مثاراً للخلافات والمماحكات بين الجميع، تبع ذلك التسميات الدينية لأيام الجمع، بدءاً من (أحفاد خالد) و(اللـه معنا) وصولاً إلى استخدام الأحاديث النبوية والآيات القرآنية مثل: (من جهّز غازياً فقد غزا) و(إن تنصروا اللـه ينصركم) و(أتى أمر الله فلا تستعجلوه) وسواها.

ما أدى إلى اعتراض الكثير من الناشطين، وصار لبعض أيام الجمع أكثر من اسم. لكنّ أسماء أخرى ذات دلالات معاكسة راحت تطلق بدورها على العديد من الجمع، مثل (صمتكم يقتلنا) و(خذلنا العرب والمسلمون) و(إذا كان الحكام متخاذلين ... فأين الشعوب؟) إلى أن تراكمت الجمع ونضبت التسميات، حتى ما عاد لها مبرر أو نفع. وجاء ذلك الهتاف الذي يختلط به اليأس والأمل معاً، اليأس من العالم الواقعي، والأمل بعالم الغيب: (يا اللـه.. مالنا غيرك ياللـه).
اللـه..السميع..البصير..العليم..القادر..الجبار..القهّار..ناصر المظلومين...أين هو؟ يتساءل من لم يجد حبلاً يتعلّق به، سوى حبل اللـه، غير المرئي، النازل من السماء للأرض، الذي خيِّل لسوريين كثيرين، أنهم يمسكونه ويقرعون به الجرس السماوي الكبير، غير المسموع من قبل البشر، لكنه يصمّ آذان الملائكة، والشياطين...وما من مجيب!؟

تتنوع تفسيرات السوريين لهذه الحالة الغامضة. ما لا أنساه، خلال زيارة لي لدير خارج اللاذقية، وجلوسي مع راهبة لم أستطع تحديد عمرها أو جنسيتها، أنها قالت معقّبة على الأحداث التي تسمع عنها من الناس سماعاً، ولكن لا ترى منها شيئاً، فليس لديهم جهاز تلفاز في الدير: "ما أعرفه.. إن اللـه، يا صديقي، لا يحبّ ما يجري في سوريا الآن"، فما كان مني وقتها إلاّ أن هززت رأسي موافقاً: نعم.. كيف للـه أن يحبّ تهديم البيوت وقتل الناس وتشريدهم!؟
ولن أخوض هنا في الاختلاف بين تعاطي قسم من السوريين، الذين أفزعتهم تلك الأسماء والشعارات، وبين تعاطي عامتهم معها، ذلك أني سأورد ما سمعت الناس يقولونه لي شخصياً، أو ما قرأته هنا وهناك على صفحات الفيس بوك والتويتر ومواقع الانترنت، مع تفسيري الخاص لكلّ منها، وعلى نحو متسلسل وتصاعدي يوازي تصاعد الحدث ذاته:
1- (يمهل ولا يهمل).. وهي تظهر عدم يأس قائليها من تأخّر اللـه سبحانه وتعالى في تدخله، وأملهم بذلك ولو بعد حين.
2- (الخير فيما اختاره اللـه).. وهي تظهر إيمان قائليها بإرادة اللـه الخيرة، واستسلامهم لها مهما كانت النتائج.
3- (قلوبنا ليست للـه، فكيف ينصرنا!؟).. (قلوبنا ليست مع بعضنا، فكيف يكون الله معنا!؟)، (لا نحبّ بعضنا، فكيف يحبّنا اللـه!) وهذه الفكرة يردّدها من يرغب بتفسير سلبية (اللـه)، أو في الحقيقة من يرفض تصديق سلبية (اللـه)، ويعيد السبب إلى علّة في الناس أنفسهم. بل أحياناً، تسمع بعض المتدينين والمتعصّبين يقولونها بشماتة ظاهرة.
4- (الدنيا على أواخر).. (هذه من علامات القيامة).. يردّدها، عادة كبار السن، يربطون بها غروب العالم بغروبهم.
5- (اللـه موجود..لكنه لا يسمع ولا يرى!؟) أو ( اللـه موجود.. وهو يسمع ويرى.. ولكنه غير مبالٍ).. وهي فكرة متناقضة مع نفسها، لأن فكرة الإيمان بوجود اللـه، ترتبط دائماً بكون اللـه مهتمّاً وقادراً وعادلاَ.. ولهذا قد يتولّد منها الفكرة التالية:
6- (اللـه، ليس معنا)..أو (اللـه يعاقبنا) مفسرين ما آلت إليه أوضاعهم، وكيف أتت الأمور في غير صالحهم.
7- (اللـه..ما عاد موجوداً)..أو (اللـه غير موجود أصلاً).. حتى قيل إن نسبة عالية من السوريين فقدوا إيمانهم بسبب ما حلّ بهم من كوارث.. وقد أخبرتني صديقة كنت أعهدها إنسانة متدينة، أنها نزعت حجابها، بسبب مجزرة الكيماوي 21/آب/2013 في الغوطة الشرقية. إذ كيف يقبل اللـه، بغض النظر عمن هم مرتكبوها، بقتل ما قدرته بعض الجهات بـ/1400/ طفل وامرأة ورجل.
يحاول هذا النص، إن من حيث بساطة الأسلوب، وإن من حيث بساطة الأفكار، مقاربة (المقدّس الشعبي) تحديداً. إلاّ أن الكثير من المثقفين والسياسيين، ومنهم يساريون وشيوعيون، لم يستطيعوا أن ينأوا بأنفسهم عن التعامل مع هذا المقدّس، فراحوا يواجهونه بصورة عدائية، فيشتمون ويجدّفون، بمناسبة أو بدون مناسبة!؟ أو، بالعكس، يتماهون مع الحالة، وينساقون لها، ليقوم أحدهم عن كرسيه، ويقول موجهاً خطابه لنا: "واللـه واللـه.. صدقوني.. يا أحبتي.. إن اللـه موجود.. وقادر.. وهو يسمع ويرى كلّ شيء.. ولسوف يحاسب في اللحظة المناسبة......"
فأقاطعه ممازحاً: "تفضّل، وتكلّم على القاعد...أبونا!".