فتاة تحمل شقيقتها في مخيم قرب العاصمة اليمنية صنعاء. 06-12-2016
ANP - فتاة تحمل شقيقتها في مخيم قرب العاصمة اليمنية صنعاء. 06-12-2016

بلقيس محمد علوان تكتب: الكل يعاني.. الكل صامت.. فهل الكل خائف؟

أكثر من ثلاثة أشهر وما يزيد عن مليون مواطن من منتسبي القطاع الحكومي بلا رواتب، البعض منهم تسلم نصف راتب شهر سبتمبر، ماذا يعني هذا؟ إذا قلنا إن متوسط عدد أفراد الأسرة اليمنية سبعة فإن ما يزيد عن السبعة ملايين مواطن متضررون بشكل مباشر من عدم صرف الرواتب، أما إذا خضنا في تفاصيل أكثر دقة فسنقول إن المتضررين أكثر بكثير، الأمر ألقى بظلاله علی كل جوانب الحياة بشكل قاتم ومؤرق لم يسبق له مثيل.

لنقترب أكثر من التفاصيل، اسمحوا لي أن آخذكم في جولة خاطفة، ولنبدأها من السكن: مالك العمارة أو المؤجر بلا راتب لأنه لم يتسلم إيجار من السكان وهو يهاتفهم ويطرق أبوابهم ليل نهار، مطالباً إياهم بالدفع: تصرفوا أنا لا شأن لي. من تسلم نصف راتب حاول التفاوض معه علی تسليم نصف إيجار لحين تسلم بقية راتبه، وهكذا الكل عينه تحدق علی ذلك النصف والإشكالية ستظل قائمة.

لنغادر السكن الآن، هل ندخل إلی هذا المركز الصحي الحكومي؟ حكومي تعني تقديم رعاية صحية مجانية أو بسعر رمزي. يؤسفني أن أقول إنه نظراً للتدهور في الخدمات الصحية وانعدام الدعم للمرافق الصحية لم تجد تلك المرافق أمامها خياراً للاستمرار إلا من خلال تقديم الخدمة بمقابل للأسف يعجز عنه الكثيرون ولا تستغربوا أن يغادر بعض المرضى بأوجاعهم عاجزين عن إجراء الفحوصات أو شراء الدواء.

لنواصل جولتنا إلی وجهة أخری، نحن الآن في محل خضار وهذه فتاة تناول البائع مائة وخمسين ريالاً، وهي تعادل أقل قليلاً من نصف دولار وتطلب منه أن يبيعها خضاراً مشكلة، وتؤكد عليه أن يضع من كل الأنواع وبأكبر كمية ممكنة، وها هو يناولها الكيس، هذا أقصی ما يمكن، الكمية تكفي بالكاد لإعداد طبق خضار مشكل، هل سيكون كافياً لغداء الأسرة؟.

للنساء في اليمن كما للنساء حول العالم قدرات جبارة علی التعاطي مع الظروف الاقتصادية الصعبة في حال السلم أو في حال الحرب أو الصراع، رغم أن لا يد لهن في كل ذلك.

أقترح عليكم الآن أن نواصل جولتنا راكبين، نحن الآن علی متن حافلة تتسع لستة وعشرين راكباً، خلال السنوات الأخيرة تضاعفت أجرة المواصلات عدة مرات وتضاعفت مرة أخری خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب انعدام المشتقات النفطية في محطات البيع وتوفرها بأسعار خيالية في السوق السوداء، علی الحافلات لا أحد يقبل بأقل من مائة ريال أجرة، لكن الجميع بلا مرتبات، وسائقو الحافلات وبرضا واضح أصبحوا يقبلون الخمسين ريال وأقل منها، حالة من التعاطف لا مثيل لها، لكن المؤلم حقاً حالة الشرود والقلق الواضح علی الجميع، في الحافلة لا تسمع إلا شكوی أو دعاء علی من تسبب فيما وصلنا إليه أو أنين خافت.

لنترجل عن الحافلة ولنسر قليلاً في السوق بين محلات الملابس، ومحلات الصاغة.

حالة جلية من الركود، كثير من التحاور والمبايعة والقليل جداً من الشراء، أما محلات صاغة الذهب فالحوار الروتيني:

الزبون/ة : بكم جرام الذهب اليوم؟

البائع: ب..........

الزبون/ة: زن هذا الخاتم ثم السؤال الأخير هل تشتريه؟ وقد يضطر الزبون/ة للتنقل بين عدة محلات للظفر بأفضل سعر، أكثر ما يباع الخواتم والأخراص أو حلق الأذن، وبعض النساء وصلن إلی مرحلة تقطيع أجزاء من أطقمهن الذهبية وبيعها جزءاً جزءاً.

لكن، ليست كل النساء يملكن ذهباً لبيعه. هذه الطريقة والاستدانة وبيع أثاث البيت واسطوانات الغاز المنزلي هي الإجابة علی السؤال: كيف يتدبر الموظفون اليمنيون بلا رواتب أمورهم للشهر الرابع علی التوالي بلا مرتبات أو بنصف مرتب شهر سبتمبر الماضي؟.

الغريب في كل ذلك، المطالبات علی استحياء بصرف المرتبات وهو ما يعيدنا للجملة التي بدأنا بها:

الكل يعاني.. الكل صامت.. فهل الكل خائف؟

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".