https://hunasotak.com/ - اللاذقية

منذر مصري يكتب: انتبه على حالك..!

بعد (مرحبا).. و(السلام عليكم).. و(صباحووو) ذلك الابتكار "ربما سوري" اللطيف لتحية الصباح.. أو بالأصح (مساؤوو)، فأغلب محادثاتنا نحن وطاويط الفيسبوك، ليلية، تأتي..(كيفك؟). لابل كثيراً ما تبدأ أحاديثنا بها، دون الحاجة لأيّ نوع من أنواع البدايات التقليدية. غير أنّي لا أدري إن كانت (كيفك؟) كما ذكرت للتو مجرد طريقة لبدء حديث ودّي عابر، ولا غاية لقائلها أن يسمع مني جواباً، أم أنها في الحقيقة سؤال، ينتظر مني صاحبه الإجابة الوافية عنه.
الأمر الذي، بسبب ما آلت إليه الأوضاع، وبقائي في سوريا، خلاف كل من هم على شاكلتي. ولن أقوم بتوصيف هذه الشاكلة الآن. وفي مدينتي اللاذقية التي ما عادت وادعة على الإطلاق، بل المذعورة والمنكوبة. بتّ أرجّحه. وأتعامل مع (كيفك منذر؟) بهذا الاعتبار.
وفما يلي نماذج من إجاباتي. وأحسب أنها تطابق إجابات الكثيرين:
1- شخص لا أعرفه.. مثلاً.. صديق جديد على الفيس بوك يسألني: (كيفك؟). أجيبه: (كويس)..(تمام) إجابة ابني (خالد) المفضلة.. (ماشي الحال).. (بخير.. أشكرك). وإذا كانت تحيته: (السلام عليكم). فستكون الإجابة المناسبة: (الحمد لله).. نعم (الحمد لله الذي لايحمد على مكروه سواه)، مع أني عرفت كثيرين يحمدون غير الله على أكبر المكاره.
2- شخص أعرفه معرفة محدودة فيكون جوابي: (لابأس).. (حطّة يدك).. (والله، صدقاً، لاأعرف).. وربما لاأجيب بشيء.. فقط أرد: (كيفك أنت!؟)
3- شخص أعرفه جيداً ويعرف وضعي جيداً. يسألني: (كيفك؟). ويتوجب علي أن أجيبه بجواب شاف لحد ما: (تعبان شوي).. (خريان ومادريان)..أو (خريان ودريان تماماً).. (عايف ربي).. أو (قلت لك يا(فادي) لاتسألني.. كيفك).
4- شخص يعني لي الكثير.. لدرجة لا أجد ما أجيبه.. سوى:(مشتاقلك).. (مشتاقلك متل مامشتاق لكل شي حلو بحياتي)..(مشتاقلك مووووت) وأقسم بروح أمي إنني أعنيها.

لكنّ (كيفك؟).. مهما بلغ التباسها، ليست المشكلة بالنسبة لي، بل بالعكس، فلطالما وجدت فيها عزاء، ربما لا أحد يعلم كم أحياناً أحتاجه، بأن هناك من يذكرني. من يفتقدني. هناك من هو قلق علي ويرغب أن أطمئنه عني. المشكلة، أقول، هي في ماباتت كل محادثاتي، الهاتفية القريبة والبعيدة، والكتابية العادية والحميمة، وكل لقاءاتي، مهما كانت المناسبة.. حضور تعزية أحد الأقارب. لقاء عابر في الطريق. مشاهدة مباراة في كافيتيريا، شراء دواء من صيدلية. تنتهي حتماً به: (دير بالك على حالك)!

أيّ وصية غامضة هذه؟ أيّ نصيحة؟ أيّ أمر صادر عن صديق ومحب؟ يتوقّع مني تنفيذه دون تردّد!؟
هل يحتاج أحد ما، فعلاً، أن ينبهه الآخرون بوجوب أن ينتبه إلى نفسه!؟ أو لماذا التكلم في العموميات، هل أحتاج أنا بالذات، أحد آخر الأصوات المستقلة، التي تكتب بأسمائها الصريحة من الداخل السوري، لهكذا تحذير!
أنا الذي كتبت في (هناك يعوون..هنا يعضون): "...أشعر وأنا في بلدي ومدينتي وبين أهلي وشعبي، أني أحيا في مدينة...غريبة" مبدلاً كلمة (عدوّة)..لأسباب لكم أن تخمّنوها.
ليس صدفة أن تقول لي (انتصار...) في آخر مكالمة هاتفية:"أعلم أنه لامعنى لها.. ولكن انتبه على حالك.. منذر". وليس صدفة أن تهمس (أثير...) وهي تحضنني: "خائفة عليك يا منذر.. أنتبه على حالك"، وليس صدفة أن يختم (ياسو...) رسالته: "تطوّر لدي حس مأسوي خلال السنوات المنقضية، وهو يقبل جداً، (ليتها لم تكن) لحظة من لحظاته، أو عنصراً من عناصره..بس..انتبه على حالك". ولكنها بالتأكيد صدفة.. صدفة فظيعة، أن يشدّ (أبو عبود) بكلتا يديه على يدي، ويقول لي مودّعاً: "دير بالك على حالك.. صديقي.. أريد أن أراك أنا وعبود في زيارتنا القادمة". وبعد ذلك بعشر دقائق تقريباً، الساعة التاسعة إلاّ ربعاً، مساءً، وسط سوق التجار، أي ليس في شوارع المدينة المقفرة، ولا عند أطرافها النائية، أتعرض لأخطر عملية إجرامية يمكن أن يتعرض لها مواطن سوري أعزل في طول البلاد وعرضها.
لم أعلن على الحادث في صفحتي على الفيس بوك أو التويتر، ولن أكتب عن تفاصيله هنا أيضاً، لاعتبارات كثيرة، أهمها أنني لست في وضع يسمح لي، الآن، بتحمل ما قد ينتج عن ذلك من العواقب. إلاّ أنني أخبرت به عدداً من الأصدقاء، الذين هالهم أن يصل نطاق هذه الجرائم لهذه الأمكنة وفي هذه التواقيت!؟
"إنها الحرب" برّر بعضهم.. ولكن..ولكن أيّ حرب!؟ اللاذقية، ليست أرض معركة، وليس فيها من يقاتل أو يتظاهر أو حتى يصيح (الله أكبر).. والناس بات يكفيهم همهم الثقيل في تأمين معيشتهم وطعام ولباس أطفالهم.. و(ماشين الحيط الحيط.. وبيقولو يارب السترة).
يعرف عني.. قول هو أقرب للعاطفية منه للعقل.. كما أغلب أقوالي وأفعالي هذه الآونة: "ولدت وعشت وسأموت في اللاذقية. قرار لارجعة عنه.. مهما كانت الظروف.. ومهما كانت العواقب". الأمر الذي دفع صديقي (مصطفى...) أن يكتب لي بعد سماعه بالحادثة: "...بما أنك لم ولن تقبل الاستجابة لنصيحتي بالخروج العاجل من سوريا، فقد أمعنت التفكير في مشكلتك، ووجدت أنه لايوجد حلّ أمامك، إلاّ أن تتظاهر بفقدان الذاكرة، أو بالجنون إن شئت.. تابع حياتك وأنت مغطّى بالضمادات..لا أظنهم يسعون وراء المجانين ويحاسبونهم". قد تستغربون مثل هذه النصيحة، التي علّقت عليها زوجتي، بأن (مصطفى) هو من جنّ، وبات (يخرفش) فعلاً. ولكن.. لاداعي للحلفان بأني فكرت فيها.. سابقاً.. أكثر من مرة.. أمّا اليوم.. فأنا صدقاً أنوي تنفيذها بكل جدية..