ليبيا
الساطور - ريشة الساطور

إبراهيم راشد يكتب: كيف انهزمنا: إدانة المجتمع الدولي..

لو أخبرتكم أن هذا الجحيم المفزع الذي تتقلب فيه ليبيا منذ ست سنوات، ويحسه المدنيون الليبيون فردا فردا، باستثناء قرود السرك الذي نصب على الأرض الليبية، هو نتيجة مباشرة لقرار مجلس الأمن المتعلق بحماية المدنيين، نفس أولئك المدنيين! ألن تنقلبوا على ظهوركم من الضحك؟

طيب، ما رأيكم لو أخبرتكم أن من أراد مجلس الأمن حماية المدنيين من فظائعه هو سلطة البلاد الشرعية في ذلك الوقت، والتي ظلت شرعية طيلة اثنتين وأربعين عاما من الحكم المتواصل وظلت تمثل ليبيا تمثيلا كاملا في الأمم المتحدة وأن مجلس الأمن، نفس مجلس الأمن الحنون هذا، لم يفكر أبدا في حماية المدنيين من تلك السلطة خلال السنوات العشر أو العشرين الأولى من سيطرتها على البلاد (وهو بالطبع غير مطالب بذلك) حيث كانت في أوج عنفوانها وتضييقها على المدنيين وحيث ارتكبت الكثير من الجرائم في حقهم ولكنه قرر الآن أن يحمي المدنيين من هذه السلطة، ومن ديكتاتور ليبيا "ووحشها" الهرم بعد أن شاخ الرجل واطمأن إلى أن سلطته قد توطدت منذ زمن بعيد، وتراكمت ثرواته في بنوك عواصم الدول، ذات الدول التي يتكون منها المجتمع الدولي .. وبعد أن رق قلبه، وظهرت عليه بوادر الرغبة في تقسيم ثروته الضخمة على المدنيين.

هل يكفي هذا لندين المجتمع الدولي، أو .. ومن أجل الدقة، لندين أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي؟
كلا فهناك المزيد..

هل تعلمون أن المسلحين المتمردين الذين قاتل المجتمع الدولي في صفهم، قصد حماية المدنيين، ودعمهم بكل سخاء حتى قلب موازين القوى لصالحهم كان يغلب على قياداتهم، وبشكل واضح وحاسم، أنها من رموز جماعات العنف الديني المسلح وأن بعض هذه القيادات كانت ذات سوابق في ممارسة العنف العشوائي ضد الدولة، وأن بعضهم كانوا نزلاء في سجون النظام، وأن الكتائب العسكرية التي شكلها هؤلاء ودُعمت بالسلاح بشكل مباشر عن طريق هذه الدول التي استجابت لنداء حماية المدنيين الليبيين من سلطات بلادهم الشرعية ـ قبل أن تسلمهم وبشكل مباشر لرسل عزرائيل ـ هي أشد خطرا على المدنيين وأكثر تعطشا للفتك بهم (باعتبار أن أجساد المدنيين، حرفيا لا مجازا، هي المكان الذي تُحقق هذه الجماعات هويتها فيه) من كتائب الجيوش النظامية المعادية، فكيف بجيش البلاد الشرعي؟!، وأن جيش البلاد (سمه إن شئت كتائب الديكتاتور، فكل الجيوش في المنطقة هي كتائبٌ لديكتاتور ما، سواء كان هذا الديكتاتور رئيسا أو ملكا أو أميرا للمؤمنين) أقل ضررا على المدنيين مئات المرات مهما بالغ خيالنا الحاقد، بمساعدة إعلام الرجعيات العربية الثائرة، خارج حدودها طبعا، في تضخيم التجاوزات التي قد يرتكبها هذا الجيش في حق مواطنيه!

لكن لا بأس، فالمجتمع الدولي ليس مجتمعا دوليا تماما، هو مجرد محاولة للتوفيق بين إرادات الدول الكبرى الفاعلة لتوفير الحد الأدنى من التفاهم الذي يمنع التصادم المباشر ويجنب العالم وقوع حرب مدمرة بين هذه الدول، ويمكننا أن نبرر كل ما قام به هذا المجتمع الدولي في ليبيا من حماقات بأن أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي قد انزعجوا من الدور "المشبوه" الذي تلعبه ليبيا بقيادة العقيد في المنطقة، وفي القارة الأفريقية، وربما في العالم، وهو دور مبالغ فيه يتعدى قدرة ليبيا على تحمل تبعاته، ويمكننا أن نمرر أنهم استغلوا غضب الليبيين العميق جدا من جماهيرية الحرمان والفوضى والتغييب، وهو غضب مشروع بالتأكيد ويحق له أن يتطور إلى مظاهرات حاشدة، أو إلى شغب أهوج، أو حتى إلى تمرد مسلح أو ثورة مباركة شرط أن يتحمل الشعب مسئولية هذا التطور وأن يتقبل ما يترتب عليه من رد فعل النظام .. فأنت عندما تطلب الحرية وتبدأ نضالا مدنيا أو مسلحا من أجلها ينبغي ألا تتوقع أن تنالها بسهولة أو أن تنالها دفعة واحدة، ينبغي أن تعلم أنك ستنال قدر ما تستحقه منها، القدر الذي يمكنك أن تتعرف عليه وأن تفسره، وأن تحتفظ به، وأن تنطلق منه إلى مزيد من النضال طلبا لمزيد من الحرية .. والتدخل الخارجي يشوه هذه العملية، بل إنه قد يعكسها تماما إذا زاد عن حده.

(قد يفسر هذا كيف أن الليبيين الذين خرجوا طلبا للحرية السياسية، سرعان ما وجدوا أنفسهم تحت رحمة جماعات تستعبدهم عقليا وروحيا وجسديا، وسياسيا بالطبع .. والطريف أنهم مازالوا يلوكون كلمة الحرية)
يمكننا أن نمرر أن منظومة المجتمع الدولي، وهي منظومة لم نشارك في تكوينها، كما أننا لا ننتمي إلى نفس الخلفيات الحضارية لمكونيها، وبالتالي فإن حساسيتها تجاه معاناتنا الإنسانية ستكون أقل، قيمة إنساننا بالنسبة إليها ستكون أقل، أضف إلى ذلك ما يمكن أن نسميه "تأثير ألف ليلة وليلة" وهو التأثير الذي يهيمن بحسن أو بسوء نية، لا أدري، على خيال الفاعلين في المجتمع الدولي، وتتلخص بسببه منطقتنا في صورة صحراء وجمل ورجل قذر بكرش متدلية تحيط به الكثير من الإناث المستعبدات ( داعش حولت هذا الخيال إلى واقع)، بالإضافة إلى مزيد من الصور النمطية حول الأخطار الخرافية والعنف والحروب والمجازر، وتأثير ألف ليلة وليلة هذا يمنع مواطني وسياسيي تلك الدول من الإحساس بالمسئولية الأخلاقية والسياسية وحتى الجنائية عندما تتحول ليبيا على أيديهم من دولة تعيش بدايات القرن العشرين وتعاني من الديكتاتورية إلى مجرد قصة غرائبية من قصص شهرزاد، فنحن بالنسبة للمجتمع الدولي ننتمي إلى ألف ليلة وليلة، ولا بأس لو عدنا بواسطة القرار الذي يحمل الرقم 1973 إلى هناك .. إلى حيث ننتمي.

يمكننا أن نمرر أن هذه المنظومة أرادت التخلص مما يمثله القذافي من خطر على مصالحها، لكن ما لا يمكننا أن نمرره هو أن يقف المجتمع الدولي ـ وأنا أعني دائما بالمجتمع الدولي أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي .. ثم الناتو ـ بعد أن أنهى مهمته التي استمرت ثمانية أشهر وتخلص من القذافي، ودمر في أثناء ذلك الدولة الليبية وأسباب مناعتها وتركها نهبا للقراصنة والمغامرين، أن يقف ليعلن بحزم احترامه الكامل لسيادة ليبيا! .. مبديا عدم نيته التدخل في شؤونها!

ألا يجعلكم هذا تنقلبون على ظهوركم من الضحك للمرة الثانية؟!
أن يهجم العالم "الحر" على البلاد ليقصف ويقتل ويدمر وينهي حالة الدولة بحجة حماية المدنيين، بل ويسلح أفرادا وجماعات وقبائل وعصبيات "غير حرة" ويمنحها فرصة ذهبية للتسلط على الليبيين واستباحتهم فهذه جريمة جدية.. وأن يفعل العالم "الحر" كل ذلك ثم يغادر بحجة احترام السيادة الليبية فإن هذه جريمة أخرى .. لكنها هذه المرة جريمة هازئة نتج عنها ديمقراطية الليبيين الهازئة التي مازلنا نعيش حتى هذا اليوم لا منطقها الواثق، ومازالت تتراكم فوق رؤوسنا "أجسادها" المنتخبة!

لقد أجرمت الدول الفاعلة (المجتمع الدولي) في حق المدنيين الليبيين مرتين، المرة الأولى عندما تدخلت في انتفاضتهم وحولتها من حالة نهوض نبيلة، تتمتع بالتفوق الأخلاقي الضروري لإحداث التغيير الثوري، ومن لحظة اكتشاف جديد للذات، قد تؤدي إلى الحرية، أو على الأقل قد تؤدي إلى تعرف عملي على حدود قدرات مجتمعهم على النضال من أجل الحرية، وما سيتضمنه ذلك من تعريف (أو تعريفات) للحرية، إلى مجرد كسر قهري للاجتماع أدارته وتحكمت فيه قوى أجنبية وسخرته بشكل مبتذل وضيع لتحقيق مصالحها، أما المرة الثانية فهي عندما انسحبت تماما، ورفضت تحمل مسئولية تورطها في مغامرة "حماية المدنيين" وسلمت المدنيين، نفس أولئك المدنيين، للمسلحين العشوائيين الذين أشرفت هي على تسليحهم بشكل مباشر أو غير مباشر.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".